في السنوات الأخيرة، شهدت الأنظمة التعليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً ملحوظاً في طريقة التعامل مع التعثر الدراسي لدى الطلاب. لم يعد التركيز مقتصراً على معالجة الأعراض الظاهرة، بل اتجهت المدارس الحكومية والخاصة التي تتبع منهاج وزارة التربية والتعليم نحو تبني مقاربة تشخيصية معمقة تهدف إلى فهم الأسباب الجذرية لهذه المشكلة، وتقديم حلول تربوية مخصصة وفعالة. هذا التحول يعكس التزاماً قوياً بتحقيق العدالة التعليمية وضمان حصول كل طالب على الدعم الذي يحتاجه للنجاح.

التحول من الحلول السريعة إلى التشخيص الدقيق

لطالما كانت معالجة التعثر الدراسي تتم عبر حلول سريعة وموحدة، مثل الدروس الخصوصية الإضافية أو إعادة الشرح السريع للمفاهيم. ومع ذلك، أدركت الإدارات المدرسية أن هذه الحلول غالباً ما تكون غير كافية، بل وقد تكون غير فعالة في بعض الحالات. فبدلاً من التركيز على رفع العلامات بشكل مؤقت، أصبح الهدف هو فهم التحديات التي يواجهها كل طالب على حدة، وتصميم برامج علاجية تلبي احتياجاته الفردية.

هذه المقاربة الجديدة ترتكز على مبدأ أساسي: “التشخيص قبل العلاج”. فقبل البدء في أي تدخل تربوي، تسعى المدارس إلى جمع معلومات دقيقة وشاملة حول أسباب التعثر الدراسي، سواء كانت أكاديمية، نفسية، تنظيمية، أو حتى أسرية.

استبيانات تشخيصية شاملة: أداة رئيسية في فهم التحديات

بدأت العديد من المدارس في تطبيق استبيانات تشخيصية تستهدف طلاب الصفوف من التاسع حتى الثاني عشر في المسارين العام والمتقدم. هذه الاستبيانات ليست مجرد اختبارات لقياس مستوى التحصيل، بل هي أدوات متكاملة تهدف إلى فهم السياق التعليمي والنفسي الذي يعيشه الطالب.

محاور الاستبيان التشخيصي

تتضمن الاستبيانات التشخيصية محاور رئيسية، من بينها:

  • المهارات الأكاديمية الأساسية: تقييم مستوى الطلاب في القراءة والكتابة والعمليات الحسابية، وهي المهارات التي تعتبر أساساً للنجاح في جميع المواد الدراسية.
  • التركيز والانتباه: تحديد مدى قدرة الطلاب على التركيز أثناء الحصص الدراسية، وتجنب المشتتات.
  • فهم المفاهيم: تقييم قدرة الطلاب على فهم المفاهيم المعقدة، وتطبيقها في مواقف مختلفة.
  • القلق والتوتر: قياس مستوى القلق والتوتر الذي يشعر به الطلاب أثناء الامتحانات، وتحديد الأسباب المحتملة لهذه المشاعر.
  • إدارة الوقت: تقييم قدرة الطلاب على إدارة وقتهم بشكل فعال، وتحديد أولوياتهم.
  • أساليب التدريس: جمع ملاحظات حول وضوح الشرح، واستخدام الوسائل التعليمية، وفاعلية الخطط التعليمية.
  • الدافعية نحو التعلم: قياس مدى اهتمام الطلاب بالتعلم، ورغبتهم في تحقيق النجاح.
  • الثقة بالنفس: تقييم مستوى الثقة بالنفس لدى الطلاب، وتحديد العوامل التي تؤثر عليها.
  • دور الأسرة: فهم مدى مشاركة الأسرة في متابعة التحصيل الدراسي، والتواصل مع المدرسة.

دور أولياء الأمور والمعلمين في عملية التشخيص

تؤكد المدارس على أن الاستبيانات التشخيصية لا تهدف إلى تصنيف الطلاب أو تحميلهم مسؤولية التعثر الدراسي. بل هي وسيلة لجمع البيانات التي تساعد على بناء تصور دقيق عن طبيعة الصعوبات التي يواجهونها.

أولياء الأمور يلعبون دوراً حاسماً في هذه العملية، من خلال تقديم معلومات حول الظروف الأسرية، ومستوى دعمهم لأبنائهم. كما أن إشراكهم في التشخيص يعزز شعورهم بأن المدرسة شريك داعم، وليس مجرد جهة محاسبة.

أما المعلمون، فهم يعتبرون خط الدفاع الأول في مواجهة التعثر الدراسي. فالاستبيانات التشخيصية تساعدهم على كشف جوانب لا تظهر دائماً داخل الصف، مثل الضغوط النفسية أو التنظيمية التي يعاني منها الطلاب. كما أنها تساعدهم على إعادة النظر في أساليب الشرح، وتنويع استراتيجيات التعليم، وتخفيف التركيز على الحفظ لصالح الفهم والتطبيق.

نحو بيئة تعليمية محفزة وعادلة

إن تبني مقاربة تشخيصية معمقة لمعالجة التعثر الدراسي يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق أهداف منهاج وزارة التربية والتعليم في بناء بيئة تعليمية محفزة، تساعد الطلاب على تجاوز الصعوبات، وتحقيق الاستقرار والنجاح الأكاديمي.

كما أن هذه المقاربة تعكس التزاماً قوياً بمبادئ العدالة التعليمية، التي تقتضي حصول كل طالب على الدعم الذي يناسب احتياجاته الفردية. فبدلاً من تقديم حلول عامة للجميع، تسعى المدارس إلى تصميم برامج علاجية مخصصة، تراعي الفروق الفردية بين الطلاب، وتعزز فرص نجاحهم.

وفي الختام، يمكن القول إن التحول نحو التشخيص الدقيق هو تحول إيجابي ومستدام، يساهم في بناء جيل من الطلاب الواثقين بأنفسهم، والقادرين على تحقيق طموحاتهم. ندعو أولياء الأمور والطلاب إلى التعاون مع المدارس، والاستفادة من هذه المبادرات، من أجل تحقيق أفضل النتائج.

شاركها.
Exit mobile version