مع التطور الرقمي المتسارع، يشهد عالم صناعة المحتوى تحولات جذرية. فقد أكدت قمة المليار متابع في دورتها الرابعة التي اختتمت في دبي، على أن الفيديو القصير والذكاء الاصطناعي هما المحركان الرئيسيان لهذه التغييرات، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الجودة الإنسانية للمحتوى والقيمة المعرفية التي يقدمها. لم يعد عدد المشاهدات هو المقياس الوحيد للنجاح، بل أصبح التأثير الفعلي هو الأهم في هذا المجال.
صعود الفيديو القصير وتأثيره على الاكتشاف الرقمي
يشير خبراء الصناعة إلى أن الفيديو القصير أصبح يلعب دوراً حاسماً في ما يُعرف بالبحث الاجتماعي والاكتشاف الرقمي. فمعظم المستخدمين اليوم يفضلون استهلاك المعلومات بصرياً، وتبحث عن تجارب حقيقية ورؤية ما “خلف الكواليس” قبل اتخاذ أي قرار. وهذا التحول في سلوك المستهلك دفع الشركات وصناع المحتوى إلى التركيز على إنتاج فيديوهات قصيرة وسريعة الإيقاع تجذب الانتباه وتوصل الرسالة بفاعلية.
ميليسا لوري، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة Oysterley Media، أوضحت أن طريقة وصول الجمهور إلى المعلومات قد تغيرت بشكل كبير، وأصبحت التجربة البصرية هي المهيمنة. وأضافت أن البحث عبر منصات التواصل الاجتماعي يختلف تماماً عن البحث التقليدي، حيث يعتمد المستخدم على الفيديو لفهم المنتج أو الخدمة بشكل أفضل. هذا التوجه يفرض على الشركات إعادة التفكير في استراتيجيات التسويق الخاصة بها والتركيز على إنشاء محتوى فيديو قصير عالي الجودة.
الذكاء الاصطناعي: شريك أم منافس في صناعة المحتوى؟
لم يقتصر تأثير التطور الرقمي على الفيديو القصير فحسب، بل امتد ليطال الذكاء الاصطناعي أيضاً. فالذكاء الاصطناعي يوفر أدوات وتقنيات جديدة يمكن لصناع المحتوى استخدامها لتبسيط عمليات الإنتاج، وتحسين جودة المحتوى، والوصول إلى جمهور أوسع. ومع ذلك، أثار هذا التطور تساؤلات حول مستقبل صناعة المحتوى ودور الإبداع البشري.
كريم إسماعيل، صانع محتوى متخصص في الصحة النفسية، شدد على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم كأداة للتطوير وليس كبديل عن التفكير والإبداع. وأضاف أن الضغوط النفسية والاحتراق المهني أصبحا من أبرز التحديات التي تواجه صانعي المحتوى، وضرورة ضبط التوقعات وعدم التركيز المفرط على الخوارزميات.
أهمية العلاقات المهنية والبُعد الإنساني في عالم المحتوى
على الرغم من الشهرة التي يتمتع بها العديد من صناع المحتوى، إلا أن قمة المليار متابع أكدت على أن القيمة الحقيقية تكمن في التعلم وبناء العلاقات المهنية. فالشهرة ليست الهدف النهائي، بل هي وسيلة لتحقيق أهداف أكبر وتقديم قيمة للمجتمع.
بشار عربي، صانع محتوى كرة قدم يمتلك أكثر من 20 مليون متابع، ذكر أن مشاركته في القمة كانت محطة معرفية مهمة، وأن التعلم المستمر هو أساس النجاح في هذا المجال. كما أشارت رغد زامل، صانعة محتوى، إلى أهمية مساعدة الآخرين وبناء مجتمع مهني قائم على تبادل الخبرات.
مواكبة التطور مع الحفاظ على الهوية
في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها عالم المحتوى، من الضروري مواكبة أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، ولكن دون فقدان الهوية الإبداعية. فالجمهور يبحث عن الأصالة والتفرد، ولا يرغب في استهلاك محتوى نمطي أو مُنتج بشكل آلي.
فارس الخالدي، صانع محتوى، أكد على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكاً داعماً لصناعة المحتوى، ولكنه لا يجب أن يكون بديلاً عن الإبداع الإنساني. فالوعي والاحترافية في استخدام هذه الأدوات هما مفتاح النجاح.
التأثير يتجاوز عدد المشاهدات: نحو محتوى ذي قيمة
أجمعت المشاركات في قمة المليار متابع على أن التأثير الذي يتركه المحتوى في نفوس الجمهور هو الأهم، وليس مجرد عدد المشاهدات أو الإعجابات. فالمحتوى الذي يقدم قيمة معرفية أو يلهم الآخرين أو يساهم في حل مشاكلهم هو المحتوى الذي يستمر في التأثير حتى بعد انتهاء فترة عرضه.
التركيز على بناء مجتمع متفاعل حول المحتوى، وتشجيع الحوار والنقاش، هو أيضاً من العوامل التي تساهم في زيادة التأثير. فالمحتوى الذي يثير المشاعر والأفكار هو المحتوى الذي يبقى في الذاكرة ويؤثر في سلوك الجمهور.
ختاماً، يمكن القول إن الفيديو القصير والذكاء الاصطناعي يمثلان فرصة كبيرة لصناع المحتوى لتقديم تجارب جديدة ومبتكرة للجمهور. ولكن، يجب أن يتم استخدام هذه الأدوات بوعي واحترافية، مع الحفاظ على البُعد الإنساني والقيمة المعرفية للمحتوى. ففي النهاية، التأثير هو الذي يصنع الفارق ويحدد النجاح في هذا المجال المتنامي باستمرار. هل لديك تجارب في استخدام الفيديو القصير أو الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى؟ شاركنا رأيك في التعليقات!


