يشهد ملف سوريا تطورات متسارعة، تتصدرها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو الأربعاء، للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتأتي هذه الزيارة في ظل سياق إقليمي ودولي معقد، وتحديداً بعد التقارير التي تحدثت عن انسحاب روسي من بعض المواقع في شمال شرق سوريا، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الوجود الروسي في البلاد، والعلاقات الثنائية بين دمشق وموسكو. هذه القمة المرتقبة، والتي تركز على مستقبل العلاقات السورية الروسية، تحمل في طياتها العديد من الملفات الحساسة التي ستشكل ملامح المرحلة القادمة.
أجندة القمة: نظرة على العلاقات الثنائية والوضع في الشرق الأوسط
أعلن الكرملين أن المحادثات بين بوتين والشرع ستتناول بشكل رئيسي آفاق العلاقات السورية الروسية في مختلف المجالات، بالإضافة إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط. وتعتبر هذه الزيارة “زيارة عمل” وفقاً للبيان الصادر عن الكرملين، مما يشير إلى طبيعتها الرسمية والعملية. اللقاء يكتسب أهمية خاصة في ظل التغيرات الأخيرة، ورغبة كلا الطرفين في إعادة تقييم الأولويات وتحديد الخطوات المستقبلية.
اللقاءات السابقة وتأكيد “العلاقة الخاصة”
هذه ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها بوتين والشرع في موسكو. ففي منتصف أكتوبر الماضي، جمع اللقاء بينهما ملفات حساسة، أبرزها القواعد العسكرية الروسية في سوريا. الرئيس بوتين أكد حينها على وجود “علاقة خاصة” تربط روسيا بسوريا على مدى عقود طويلة، مشدداً على أن هذه العلاقات “استرشدت دائماً بمصالح الشعب السوري”.
من جانبه، أكد الرئيس الشرع على احترام سوريا لجميع الاتفاقيات السابقة الموقعة مع روسيا، معتبراً أن دمشق تسعى إلى “إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع موسكو”. هذا التصريح يفتح الباب أمام نقاشات حول التطورات الإقليمية والدولية، وكيف يمكن للطرفين التكيف معها وتعزيز التعاون المشترك.
مصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا: سؤال يطرح نفسه
بعد مرور أكثر من 13 عاماً على الحرب الأهلية السورية، لا يزال مصير القواعد العسكرية الروسية في البلاد غير واضح تماماً. فقد أنشأت روسيا قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، ومنشأة بحرية في طرطوس، وهما نقطتان استراتيجيتان مهمتان في المنطقة. الاتفاقيات الموقعة عام 2017 تحدد استخدام هذه القواعد لمدة 49 عاماً، مع خيارات للتمديد التلقائي لمدة 25 عاماً أخرى.
ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، وخاصة سعي الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على مناطق أوسع من البلاد، قد تؤثر على هذه الاتفاقيات. فالانسحاب الروسي من مطار القامشلي، والذي سيتم تفصيله لاحقاً، يمثل خطوة نحو إعادة تشكيل الوجود العسكري الروسي في سوريا.
الانسحاب من القامشلي: مؤشر على تغيير في الاستراتيجية؟
تأتي التقارير عن الانسحاب الروسي من مطار القامشلي في شمال شرق سوريا بعد سيطرة القوات الحكومية السورية على مساحات واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”. ووفقاً لمصادر سورية، فإن هذا الانسحاب يهدف إلى إنهاء الوجود العسكري الروسي في المنطقة التي تسعى دمشق للسيطرة عليها.
وتشير المعلومات إلى أن القوات الروسية بدأت بالفعل في الانسحاب التدريجي من مطار القامشلي، وأن بعضها سيتجه إلى غرب سوريا، بينما سيعود البعض الآخر إلى روسيا. في الوقت نفسه، يجري نقل معدات عسكرية وأسلحة ثقيلة من القامشلي إلى مطار حميميم.
على الرغم من عدم وجود تعليق رسمي من وزارة الدفاع الروسية، إلا أن مصدراً سورياً صرح بأن الحكومة السورية قد تطلب من القوات الروسية الانسحاب من القاعدة بمجرد طرد الأكراد منها، معتبراً أنه “لا يوجد داعٍ لاستمرار وجود القوات الروسية هناك”. ومع ذلك، لا تزال الأعلام الروسية ترفرف في مطار القامشلي، ولا تزال هناك طائرتان على المدرج عليهما علامات روسية.
ملفات معلقة: أمن سوريا، النفط، ومستقبل التعاون
بالإضافة إلى العلاقات السورية الروسية والقواعد العسكرية، من المتوقع أن تتناول القمة المرتقبة ملفات أخرى مهمة، مثل أمن سوريا، ومصادر النفط في البلاد، وعلاقة إسرائيل بالمنطقة.
الخبراء والمحللون الروس والسوريون يركزون على ما بعد لقاء بوتين والشرع، ويبحثون في إمكانية تسليم السلطة في سوريا، ومصير القواعد العسكرية الروسية، وكيف يمكن للطرفين التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.
التعاون الاقتصادي يمثل أيضاً محوراً هاماً في هذه العلاقات، حيث تسعى روسيا إلى تعزيز استثماراتها في سوريا، والمساهمة في إعادة إعمار البلاد. التطورات السياسية في المنطقة، بما في ذلك العلاقات مع الدول العربية الأخرى، ستكون حاضرة أيضاً في نقاشات القمة.
الخلاصة: قمة حاسمة لمستقبل سوريا
تعتبر زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حدثاً بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل سوريا. فالقمة تمثل فرصة لتقييم العلاقات السورية الروسية، وتحديد الأولويات، وإيجاد حلول للتحديات التي تواجه البلدين. الانسحاب الروسي من القامشلي يمثل مؤشراً على تغيير محتمل في الاستراتيجية، مما يجعل هذه القمة أكثر حساسية وأهمية. من المتوقع أن تؤثر نتائج هذه القمة بشكل كبير على الوضع في سوريا والمنطقة بأسرها.



