في تحول استراتيجي يعكس التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، دعت وزيرة الشؤون الاقتصادية الألمانية كاثرينا رايشه إلى ضرورة البحث عن شركاء جدد لألمانيا، وذلك في ظل تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة وتأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها على الواردات الأوروبية. هذا التوجه يأتي في سياق مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التحالفات التقليدية، وضرورة تأمين مصالح ألمانيا الاقتصادية في عالم يزداد تعقيدًا.
تدهور العلاقات مع واشنطن ودعوات لتنويع الشراكات
أكدت الوزيرة رايشه خلال قمة للطاقة في برلين أن “العالم أصبح أكثر غموضاً، وبدأت التحالفات التي كنا نثق بها ونعتمد عليها في الانهيار”. هذه التصريحات تعكس قلقًا عميقًا بشأن السياسات التجارية الحمائية التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي أدت إلى فرض رسوم جمركية على العديد من الدول، بما في ذلك حلفاء رئيسيين مثل كندا والاتحاد الأوروبي. وبالتالي، لم يعد الاعتماد على شريك واحد، كالولايات المتحدة، خيارًا مستدامًا بالنسبة لألمانيا.
وشددت رايشه على أن البحث عن شركاء جدد لألمانيا لا يعني التخلي عن التحالفات القائمة، بل تعزيزها مع السعي في الوقت ذاته إلى بناء علاقات اقتصادية قوية مع دول أخرى. وقالت: “هذا لا يعني التخلي عنها، بل يعني الاستمرار في العمل معاً مهما كان ذلك صعباً في بعض الحالات، والبحث عن شركاء جدد قبل كل شيء”.
مناطق واعدة للشراكة الاقتصادية
حددت الوزيرة الألمانية عدة مناطق جغرافية واعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي معها. وتضمنت هذه المناطق أمريكا الجنوبية، والهند، والشرق الأوسط، وكندا، وأستراليا، بالإضافة إلى دول آسيوية أخرى مثل ماليزيا. هذه الدول تمثل أسواقًا نامية ذات إمكانات كبيرة، ويمكن أن تساهم في تنويع مصادر النمو الاقتصادي لألمانيا وتقليل اعتمادها على الأسواق التقليدية.
الاستثمارات الألمانية في الصين كبديل
في هذا السياق، تبرز الزيادة الملحوظة في الاستثمارات الألمانية في الصين. فقد أظهرت بيانات حديثة جمعتها وكالة رويترز أن هذه الاستثمارات وصلت إلى أعلى مستوى لها خلال أربع سنوات في عام 2025، متجاوزة 7 مليارات يورو (8 مليارات دولار). هذا الارتفاع يعكس تحولًا استراتيجيًا للشركات الألمانية نحو الصين، التي تعتبرها بديلًا جذابًا في ظل “الحرب التجارية” التي يشنها الرئيس ترمب.
وتشير البيانات إلى أن الاستثمارات الألمانية في الصين شهدت زيادة بنسبة 55.5% في الفترة بين يناير ونوفمبر 2025، مقارنة بعامين 2024 و2023. وهذا يؤكد أن الشركات الألمانية لا تكتفي بالبحث عن شركاء جدد، بل تقوم بالفعل بتنفيذ خطوات ملموسة لتعزيز وجودها في الأسواق الناشئة.
تحديات النمو الاقتصادي الألماني
تأتي هذه الدعوات لتنويع الشراكات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني تحديات كبيرة. فقد أشارت الوزيرة رايشه إلى أن توقعات النمو الاقتصادي لألمانيا لا تتجاوز 1% أو 1.5% في المدى القريب، وهو ما تعتبره “غير مستدام”. وتعزى هذه التوقعات المتشائمة إلى عدة عوامل، بما في ذلك ارتفاع الديون الحكومية وتراجع الاستثمارات في مجالات حيوية مثل الدفاع والبنية التحتية.
وتتوقع الحكومة الألمانية خفض توقعاتها للنمو في عام 2026 إلى 1% من 1.3%، مع توقعات بتحسن طفيف في عام 2027، حيث من المتوقع أن يبلغ النمو 1.3%. هذه التوقعات تؤكد الحاجة الملحة إلى إيجاد محركات نمو جديدة للاقتصاد الألماني، وهو ما يتطلب بناء شراكات اقتصادية قوية مع دول أخرى.
موازنة العلاقات مع الصين
في الوقت نفسه، تواجه ألمانيا تحديًا يتمثل في موازنة علاقاتها مع الصين. فمن جهة، تسعى ألمانيا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين، خاصة في ظل تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، تحرص ألمانيا على الحفاظ على موقفها الصارم تجاه الصين بشأن قضايا التجارة والأمن وحقوق الإنسان.
وقال يورجن ماتيس، رئيس قسم السياسة الاقتصادية الدولية في معهد الاقتصاد الألماني، إن الشركات الألمانية تواصل توسيع أنشطتها في الصين بوتيرة متسارعة، مع التركيز بشكل متزايد على تعزيز سلاسل التوريد المحلية. وهذا يشير إلى أن الشركات الألمانية تعتبر الصين سوقًا استراتيجيًا طويل الأجل، وتسعى إلى بناء حضور قوي ومستدام فيها.
باختصار، إن دعوة وزيرة الشؤون الاقتصادية الألمانية إلى البحث عن شركاء جدد لألمانيا هي استجابة للتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، وتعكس قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل التحالفات التقليدية. وتتطلب هذه الاستراتيجية الجديدة بناء علاقات اقتصادية قوية مع دول متنوعة، مع الحفاظ على التوازن في التعامل مع القوى الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة. هذا التحول الاستراتيجي يهدف إلى تأمين مصالح ألمانيا الاقتصادية وتعزيز نموها المستدام في عالم يزداد تعقيدًا.


