معبر رفح ليس مجرد نقطة عبور، بل رمزاً لمعاناة مستمرة وحصار خانق يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. وبينما تتوالى الوعود بفتحه وتسهيل إدخال المساعدات، يظل الواقع المرير قائماً، مؤكداً أن التهديدات الإسرائيلية ضد غزة لن تتوقف بغض النظر عن أي “اتفاق لوقف إطلاق النار”. فالإبادة الجماعية أصبحت للأسف واقعاً يومياً، والاحتلال الاستيطاني الاستعماري العنصري يعتبر استمرار المعاناة والحصار الوضع الطبيعي الجديد القديم. هذا المقال يسلط الضوء على الوضع المعقد في معبر رفح، والدور المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة في إدامة الأزمة، وتداعيات ذلك على حياة الفلسطينيين.
الوضع الكارثي في غزة واستمرار الحصار
لم يعد بالإمكان النظر إلى الوضع في غزة بمعزل عن السياسات الممنهجة التي تهدف إلى تدميرها وإخضاع سكانها. فالحصار المفروض منذ سنوات طويلة، والذي تفاقم بشكل كبير مع بدء الحرب الحالية، أدى إلى انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، ونقص حاد في الغذاء والدواء والمياه. هذا الحصار ليس مجرد إجراءات تقنية أو ترتيبات أمنية، بل هو سياسة واعية تهدف إلى معاقبة الفلسطينيين بشكل جماعي، وتقويض قدرتهم على الصمود.
الأزمة الإنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم، حيث يعاني أكثر من 85% من مساحة مدينة غزة من انقطاع المياه المستمر منذ ثمانية أيام. هذا الانقطاع يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين، ويزيد من خطر انتشار الأمراض والأوبئة. قطع الخدمات الأساسية ليس نتيجة جانبية للحرب، بل هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية خنق ممنهجة تستهدف إضعاف الإرادة الفلسطينية.
معبر رفح: مرآة الشراكة السياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة
معبر رفح، الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي، لم يعد مجرد نقطة عبور حدودية، بل أصبح رمزاً للتعنت الإسرائيلي والتواطؤ الدولي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة عن جهودها الدبلوماسية لإنهاء الأزمة، نرى أن إسرائيل تواصل فرض شروطها وتعطيل أي محاولة حقيقية لتحسين الوضع الإنساني في غزة.
بحسب ما كشفته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فقد تم التوصل إلى تفاهم مبدئي مع الولايات المتحدة لفتح معبر رفح في الاتجاهين. ولكن، وكما هو الحال مع العديد من التفاهمات السابقة، لم يخرج هذا الاتفاق إلى النور، بل أغرقته إسرائيل في سلسلة من الشروط والقيود والذرائع الأمنية المتجددة. هذا يعكس العقلية الاحتلالية التي ترى في المعابر أدوات للسيطرة والابتزاز، وليس شرايين حياة لسكان غزة.
الدور الأمريكي: شريك وليس وسيطاً
الدور الأمريكي في الأزمة لا يمكن وصفه بأنه دور وسيط أو ضامن. فالولايات المتحدة، في الواقع، هي شريك سياسي كامل لإسرائيل، وتكتفي بإنتاج تفاهمات فضفاضة تهدف إلى تبييض صورة الاحتلال أمام الرأي العام الدولي. هذه التفاهمات تفتقر إلى أي آليات إلزام أو ضغط فعلي على إسرائيل، مما يسمح لها بمواصلة سياساتها التدميرية دون محاسبة.
وبالتالي، تتحول “التفاهمات الأمريكية” إلى غطاء سياسي لتعطيل إسرائيلي مقصود، بينما يبقى الهدف الرئيسي هو إبقاء غزة تحت الحصار، وإدارة الكارثة بدلاً من إنهائها. هذا التواطؤ يمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث يتم الترويج لبدء “المرحلة الثانية” وإطلاق وعود بإعادة الإعمار، دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين أو تطلعاتهم.
إعادة الإعمار المشروطة: استعمار جديد
ما يسمى بمشروع إعادة الإعمار في غزة يتكشف تدريجياً كمخطط سياسي واقتصادي يهدف إلى مصادرة الأراضي الفلسطينية، وإعادة بناء القطاع وفقاً لأولويات استثمارية تخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية وشركائها. تحت ذرائع “التنظيم” و”الأمن” و”التخطيط الحديث”، يتم الاستيلاء على ملكيات الأراضي، ويتم إعادة البناء بطرق لا تلبي احتياجات سكان غزة المنكوبين.
هكذا تتحول الإبادة والتدمير إلى فرصة اقتصادية، ويستكمل الحصار بمخططات لإعادة ترتيب المكان والإنسان. هذا يمثل إحدى أخطر صور الاستعمار المعاصر، حيث يتم استغلال معاناة شعب لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. الوضع في غزة يتطلب نظرة شاملة تتجاوز المساعدات الإنسانية العاجلة، لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة.
مستقبل غزة: بين الوعود الزائفة والواقع المرير
في ظل هذه السياسات المشتركة، تتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، وتتزايد التصريحات التي يطلقها المسؤولون الفلسطينيون حول إدخال كرفانات الإيواء، وفتح المعابر، وتحسين الأوضاع الإنسانية. ورغم ما تحمله هذه التصريحات من طابع تطميني، إلا أنها تصطدم بجدار القيود الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، وغياب أي ضمانات تنفيذ حقيقية.
الوعود تتحول إلى أدوات لشراء الوقت وامتصاص الغضب، بينما يواجه سكان غزة العطش والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. الأزمة الإنسانية في غزة تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لفرض وقف إطلاق النار، ورفع الحصار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
في المحصلة، ما يجري في معبر رفح ليس فشلاً في التنسيق، بل هو نجاح لسياسة مشتركة تهدف إلى إبقاء غزة في حالة اختناق دائم. إسرائيل تفرض الشروط، والولايات المتحدة توفر الغطاء، والمجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة. أما الثمن، فيدفعه الفلسطينيون وحدهم: حصار، وتجويع، ومصادرة أرض، وإعادة إعمار مشروطة تُصاغ خارج إرادتهم وحقوقهم.
فتح معبر رفح الحقيقي يبدأ بكسر شراكة الاحتلال والغطاء الأمريكي، وإعادة الحقوق لسكان غزة، قبل أن تصبح الإنسانية مجرد شعار يتداول على وسائل الإعلام. يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته الأخوية والإنسانية تجاه شعب غزة، وأن يعمل بجد لإنهاء هذا الحصار الظالم، وتحقيق السلام العادل والدائم.


