تعقيدات الواقع وتداخل الإرادات في حكم غزة
لم تعد مسألة الحكم في قطاع غزة مجرد قضية إدارية أو تقنية، بل تحولت إلى عقدة سياسية وأخلاقية مركبة، تتشابك فيها المعطيات الواقعية والمفترضة مع المخططات الإسرائيلية وخطط إقليمية ودولية. في قلب هذه الأزمة، لم يعد السؤال فقط من يحكم غزة؟ بل: هل هناك إمكانية فعلية لإنقاذ أهلها من الكارثة المركبة وخلق شروط استقرار إنساني ومسار سياسي ينهي الاحتلال؟ هذا المقال يتناول هذه التعقيدات، ويستكشف الخيارات المتاحة، والتحديات التي تواجه أي محاولة لتحقيق حكم فعال وعادل في القطاع.
المعيقات الإسرائيلية: تعطيل الإغاثة واستمرار الهيمنة
أي تصور للحكم في غزة يصطدم بعوائق بنيوية متداخلة تفرضها السياسات الإسرائيلية. يركز الموقف الإسرائيلي بشكل أساسي على تعطيل الإغاثة وإعاقة الإعمار، بهدف إبقاء خيار التهجير قائمًا كهدف غير معلن لكنه حاضر في السياسات والإجراءات المتبعة. هذا التضييق المستمر يُفرغ فكرة الحكم من مضمونها؛ إذ لا حكم فعلي ممكن من دون السيطرة على المعابر، وتدفق الموارد، وحرية الحركة، وهي عناصر تعمل إسرائيل على تقويضها بشكل منهجي. السيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي والمائي لغزة تزيد من هذه المعيقات، وتجعل أي جهود للتنمية المستدامة أمرًا صعبًا للغاية.
المواقف الفلسطينية: انقسامات تعيق الحلول
المشهد الفلسطيني الداخلي يعكس حالة من الانقسام والتشتت، مما يعيق إيجاد حلول عملية لأزمة الحكم في غزة.
السلطة الوطنية: الشرعية الرمزية مقابل المسؤولية
تميل السلطة الفلسطينية إلى التركيز على استعادة نفوذها الرمزي في القطاع والتخلص من حماس، أكثر من انشغالها بتقديم إجابات عملية عن الاحتياجات الإنسانية الملحة للسكان. هذا النهج التصادمي يصطدم بالموقف الإسرائيلي الذي يمنع ممارسة الحكم فعليًا، وبالموقف العربي الذي يشترط سلطة “مؤتمنة” على الإعمار من دون ضمان سيادة أو توافق وطني حقيقي. هناك حاجة ماسة لتحويل الشرعية الرمزية إلى مسؤولية فعلية تجاه الشعب الفلسطيني في غزة.
حماس: رمزية البقاء أم أولوية الوطن؟
تعاملت حماس مع بقائها في غزة كرمز لانتصار سياسي ومعنوي، لكن هذا يتحول إلى عبء إنساني ثقيل حين تُقدّم الرمزية على الأولويات الوطنية للشعب والمعيشية لأهل القطاع. الحكم بلا أدوات مادية ومؤسسية كافية يصبح جزءًا من مأزق إدارة الكارثة، لا وسيلة لصمود السكان، ولا أداة لإنقاذهم. السؤال عن المصير الوطني يظل بلا جواب في ظل استمرار هذا الوضع.
الخيارات الاستراتيجية: نحو قيادة وطنية جامعة
في ضوء حرب الإبادة وما أفرزته من دمار وتصدع في البنى السياسية، تواجه حماس والسلطة مفترق طرق لا يحتمل إدارة الوقت أو تدوير الأزمة. استمرار حماس في المواجهة العسكرية بصيغتها الراهنة يطيل الاستنزاف الإنساني والعمراني دون أفق سياسي واضح، في حين أن القبول بترتيبات مفروضة قد يقلص دورها تدريجيًا مقابل تهدئة هشة وإعمار مشروط. بالمقابل، اكتفاء السلطة بإدارة الأزمة ضمن الأطر القائمة أو الانخراط في ترتيبات ما بعد الحرب من دون تفويض وطني جامع يكرّس الجمود ويحوّلها إلى سلطة إدارية تدير نتائج العدوان بدل مواجهته سياسيًا.
يبرز الخيار الأكثر جدوى ومسؤولية في انخراط الطرفين في قيادة انتقالية وطنية جامعة تكون حكومة التوافق الوطني أحد مكوناتها الجوهرية. يجب أن تتولى هذه القيادة إدارة الإغاثة والإعمار وتوحيد المؤسسات، وتضع قرار السلم والحرب ضمن مرجعية فلسطينية واحدة، بما يوقف النزيف ويمنع فرض الحلول من الخارج، ويعيد القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي وتحريري جامع. هذا يتطلب حوارًا فلسطينيًا جادًا ومستمرًا.
تحدي الرفض الإسرائيلي: الوحدة والمسؤولية كمعادلة للتغيير
تظل المعضلة الكبرى أمام أي صيغة انتقالية فلسطينية في غزة هي الموقف الإسرائيلي المعارض، الذي يسعى لمنع أي استقلال فعلي في القرار أو السيطرة على الموارد. في هذا السياق، تظهر عناصر القوة الفلسطينية الأساسية متمثلة في الوحدة الوطنية، والجدية في الإدارة، والمسؤولية الأخلاقية والسياسية.
الوحدة الوطنية، عبر قيادة انتقالية جامعة وحكومة توافق وطني واحدة وغير فصائلية، توفر إطارًا متينًا يصعب تجاوزه، لأنها تحوّل أي محاولة إسرائيلية لفرض شروط أحادية إلى مواجهة مع الإجماع الفلسطيني الداخلي. أما الجدية والمسؤولية في إدارة المرحلة، مع وضع الأولويات الإنسانية والسياسية فوق حسابات السيطرة أو الرمزية، فهي تمنح المجتمع الدولي فرصة لتقبل هذه الصيغة بوصفها إطارًا عمليًا وموثوقًا للإنقاذ والإعمار، وليس مجرد خطاب رمزي أو فصائلي.
الموقف العربي: التمويل بين الدعم والمصالح
الموقف العربي معقد: هناك استعداد لتقديم التمويل للإغاثة والإعمار، لكنه مشروط بوجود سلطة بديلة عن حماس، مع التزام سياسي محدد لضمان السيطرة على الموارد. هذا التمويل لا يقدم تصورًا عمليًا لكيفية تأسيس سلطة بديلة بقدرة فعلية وشرعية داخلية، ويكتفي بشرط رمزي بوجود “سلطة مؤتمنة”، ما يجعل دوره سياسيًا أكثر من كونه عمليًا.
الموقف الأمريكي وخطة ترامب: وعود بلا جدوى
الموقف الأمريكي يظل منحازًا لإسرائيل، وإن أخذ الموقف العربي في الاعتبار شكليًا. فخطة ترامب تهدف لتسجيل “نجاح سياسي” دون أدوات تنفيذية فعلية، ما يحوّلها إلى إطار نظري يفتقر للقدرة على إنقاذ الناس أو تثبيت الاستقرار.
اختبار المسؤولية الفلسطينية: نحو مستقبل أفضل
في لحظة الكارثة، السؤال ليس من على حق، بل من يتحمل مسؤولية استمرار النزيف الإنساني؟ على حماس التمييز بين دورها الفصائلي وأولوية الناس، والفصل بين الرمزية والحاجة الإنسانية، وقبول ترتيبات انتقالية تضع الاحتياجات فوق حسابات السيطرة. وعلى السلطة الفلسطينية تجاوز مقاربة “الخلاص من حماس” والتركيز على دور انتقالي إنساني ووطني جامع، قادر على إدارة الإغاثة والإعمار ضمن شراكة فلسطينية وعربية ودعم دولي.
باختصار، لا يمكن تحقيق استقرار فعلي في غزة بمعزل عن أفق سياسي واضح، ولا يمكن فتح مسار لإنهاء الاحتلال دون إعادة بناء الشرعية الوطنية على أساس حماية الإنسان أولًا. الحكم في هذه المرحلة ليس مجرد رمزية أو انتصار فصائلي، بل اختبار للمسؤولية الأخلاقية والوطنية والدولية معًا. ويكمن الاستقرار الحقيقي في ربط الإغاثة بالإعمار وتحويل إعادة البناء إلى رافعة سياسية ووطنية، بدل أن تكون مجرد أداة رمزية أو مالية، مع خلق مسار سياسي ملزم على الصعيدين الدولي والعربي، يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال الوطني.
