مستقبل الأمن في أوكرانيا: هل يشارك الجيش الألماني في مهمة حفظ سلام؟
تشهد الأزمة الأوكرانية تطورات متسارعة تترافق مع نقاشات حول مستقبل الأمن في المنطقة، وفي هذا السياق، بدأت تلوح في الأفق إمكانية مشاركة قوات دولية، بما في ذلك الجيش الألماني، في مهمة حفظ سلام في أوكرانيا. يأتي هذا النقاش على خلفية الجهود الدبلوماسية المستمرة للوصول إلى اتفاق سلام مستدام، مع تأكيد العديد من الأطراف على أهمية وجود ضمانات أمنية قوية لضمان عدم تكرار العدوان. هذا المقال يستعرض آخر المستجدات حول هذا الموضوع، ومواقف الأحزاب السياسية الألمانية، والشروط المطروحة لمثل هذه المشاركة.
دعوات متزايدة لمشاركة دولية في أوكرانيا
مع استمرار القصف الروسي على البنية التحتية الأوكرانية، وآخرها استهداف محطات الطاقة والمباني المدنية، تتزايد الدعوات من قبل دول أوروبية لتشكيل “قوة متعددة الجنسيات لأوكرانيا” تكون قادرة على المساهمة في تأمين السلام ومنع المزيد من التصعيد. يجتمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع قادة الدول الداعمة في باريس الثلاثاء القادم لمناقشة اتفاق سلام محتمل يشمل ضمانات أمنية غربية.
تعتبر فكرة القوة متعددة الجنسيات بمثابة خطوة نحو توفير حماية فعالة لأوكرانيا، خاصة في حال توصل أطراف النزاع إلى اتفاق وقف إطلاق نار. ويهدف هذا التحالف المقترح إلى ردع أي هجوم روسي جديد، وتقديم المساعدة اللازمة لترسيخ الاستقرار في البلاد.
موقف الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الحر: باب المشاركة مفتوح
في ألمانيا، يرى سياسيون بارزون من الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) والحزب الديمقراطي الحر (FDP) أن مشاركة الجيش الألماني في مهمة حفظ سلام في أوكرانيا ليست مستبعدة، بل يجب دراستها بجدية. رودريش كيزيفيتر، خبير الشؤون الخارجية في الحزب المسيحي الديمقراطي، صرح لمجلة “دير شبيغل” بأن مناقشة مشاركة قوات برية يجب أن تبدأ بعد الوصول إلى وقف إطلاق النار، إلا أنه شدد على أن ألمانيا، بوصفها قوة قيادية، “لا يجب أن تستبعد أي شيء في النقاش العام”.
وأضاف كيزيفيتر أن ألمانيا يجب أن تقود “تحالفاً للراغبين” يضم دولاً مستعدة للمشاركة، مع ضمان وجود إطار قانوني واضح لهذه القوات. وأكد على أهمية أن يكون هذا التحالف مفتوحاً لمساهمات من جميع الأطراف التي تدعم موقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي.
الحزب الديمقراطي الحر يدعو إلى حضور ألماني قوي
ماري-أغنيس شتراك-تسيمرمان، السياسية البارزة في الحزب الديمقراطي الحر ورئيسة لجنة شؤون الدفاع في البرلمان الأوروبي، قدمت موقفًا أكثر وضوحًا، مؤكدة أن “ألمانيا يجب أن تكون حاضرة في أي مهمة محتملة لتأمين السلام”. وأوضحت أن تحديد القدرات التي ستقدمها القوات المسلحة الألمانية يجب أن يتم بالتعاون مع الجنرالات من الدول المشاركة. وذكرت بشكل محدد إمكانية المساهمة بقوات برية أو دفاع جوي، وحتى بحرية، في حال سمحت تركيا بعبور السفن عبر مضيق البوسفور إلى البحر الأسود. هذه المرونة في الخيارات تعكس رؤية الحزب الديمقراطي الحر لأهمية الدور الألماني في تحقيق الاستقرار في أوروبا الشرقية.
شروط أساسية لمشاركة الجيش الألماني
على الرغم من الانفتاح على الفكرة، إلا أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس لم يحسم بشكل نهائي مسألة مشاركة الجيش الألماني بشكل مباشر في أوكرانيا في ديسمبر الماضي، مشيراً إلى أن التحالف المحتمل قد يضم أيضاً دولاً مثل كندا وأستراليا.
كما حدد مفوض شؤون القوات المسلحة في البرلمان الألماني، هينينغ أوته، شروطاً أساسية لتشكيل قوة حفظ سلام ناجعة، وهي: قبول الدولة المعتدى عليها (أوكرانيا) بوجود القوة، ووقف كامل لإطلاق النار، ووجود ضمانات أمنية قوية لدعم هذه القوات وحمايتها. هذه الشروط تعكس قلق ألمانيا بشأن المخاطر المحتملة التي قد تواجه قواتها في منطقة لا تزال تشهد توترات عالية.
التحديات المحتملة ومستقبل النقاش
بالإضافة إلى الشروط المذكورة، تواجه فكرة مشاركة الجيش الألماني تحديات سياسية ولوجستية. تتطلب هذه المشاركة موافقة البرلمان الألماني، وقد تواجه معارضة من بعض الأحزاب التي تعارض التدخل العسكري في النزاعات الخارجية. كما أن توفير الدعم اللوجستي اللازم لقوات كبيرة في أوكرانيا يمثل تحدياً كبيراً، خاصة مع استمرار التوترات في المنطقة.
وبالنظر إلى هذه التحديات، من المرجح أن يستمر النقاش حول مشاركة ألمانيا في مهمة حفظ سلام في أوكرانيا في الأسابيع والأشهر القادمة. سيعتمد مستقبل هذا النقاش بشكل كبير على تطورات الوضع على الأرض، ونتائج المفاوضات الدبلوماسية، وموقف الرأي العام الألماني. ومع ذلك، يتضح أن إمكانية مشاركة ألمانيا العسكرية في دعم الأمن في أوكرانيا أصبحت الآن على بساط البحث بشكل أكثر جدية.
الكلمات المفتاحية الثانوية: أزمة أوكرانيا، قوة متعددة الجنسيات، حلف الناتو، اتفاق وقف إطلاق النار.
