في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى تحول استراتيجي في طريقة تعامل أوروبا مع العالم، مؤكدةً على ضرورة التخلي عن “الحذر التقليدي” لمواجهة واقع جديد يتسم بـ القوة الفجّة وتصاعد الفوضى. هذا التحول، كما أوضحت، ليس خيارًا بل ضرورة حتمية لضمان مكانة أوروبا وحماية مصالحها في عالم يزداد تعقيدًا.
القوة الفجّة: تشخيص أوروبي لعالم مضطرب
أشارت فون دير لاين، في خطابها أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، إلى أن العالم لم يعد يحكمه النظام والقواعد الثابتة، بل أصبح مسرحًا تتنافس فيه القوى المختلفة، مستخدمةً كل الوسائل المتاحة لتحقيق أهدافها. هذه القوة الفجّة لا تقتصر على المجال العسكري، بل تمتد لتشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة، مما يخلق حالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار على الصعيد العالمي.
مظاهر القوة الفجّة في مناطق مختلفة
وقفت فون دير لاين عند عدة نقاط ساخنة تؤكد هذا التشخيص، بدءًا من “الوضع غير المستقر” في القطب الشمالي وغرينلاند، حيث تتزايد المنافسة على الموارد الطبيعية والنفوذ الاستراتيجي. كما ذكرت القصف “المتواصل” في أوكرانيا، الذي يمثل تحديًا مباشرًا للأمن الأوروبي والنظام الدولي القائم. بالإضافة إلى ذلك، سلطت الضوء على التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتي تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.
دعوة أوروبية للتخلي عن الحذر التقليدي
ترى رئيسة المفوضية الأوروبية أن استمرار أوروبا في اتباع نهجها “الحذر التقليدي” في التعامل مع هذه التحديات لن يكون كافيًا. بل إن هذا النهج قد يكون له نتائج عكسية، حيث يترك المجال مفتوحًا للقوى الأخرى لملء الفراغ وتعزيز نفوذها. لذلك، دعت إلى تبني استراتيجية أكثر جرأة وفاعلية، تقوم على تعزيز القدرات الأوروبية في مختلف المجالات، وبناء شراكات قوية مع الدول التي تشاركها نفس القيم والمصالح.
أهمية الوحدة الأوروبية في مواجهة التحديات
أكدت فون دير لاين على أن الوحدة الأوروبية هي المفتاح لمواجهة هذه التحديات بنجاح. وشددت على أن الخلافات الداخلية، مثل التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن غرينلاند، “لن تؤدي إلا إلى تشجيع” من وصفتهم بـ”الخصوم”. وبالتالي، يجب على الدول الأوروبية التغلب على خلافاتها والعمل معًا ككتلة واحدة قوية، قادرة على الدفاع عن مصالحها والتأثير في الأحداث العالمية. السيادة الأوروبية، في هذا السياق، ليست انعزالًا بل قدرة على العمل بفعالية في عالم متعدد الأقطاب.
الاستثمار في القدرات التكنولوجية والاقتصادية
لا يقتصر التخلي عن “الحذر التقليدي” على المجال السياسي والعسكري، بل يشمل أيضًا المجالين التكنولوجي والاقتصادي. يجب على أوروبا أن تستثمر بشكل كبير في البحث والتطوير، وأن تعزز قدراتها في المجالات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. كما يجب عليها أن تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة، قادرًا على مواجهة الصدمات الخارجية. التحول الرقمي و الاستدامة الاقتصادية هما ركيزتان أساسيتان لهذه الاستراتيجية.
تداعيات غياب القيادة العالمية
أشارت فون دير لاين ضمنيًا إلى أن غياب القيادة العالمية القوية، خاصةً في ظل التحديات التي تواجه النظام الدولي، هو أحد العوامل التي تساهم في تفاقم حالة القوة الفجّة. وبالتالي، يجب على أوروبا أن تضطلع بدور أكبر في ملء هذا الفراغ، وأن تعمل على تعزيز التعاون الدولي، والدفاع عن القيم والمبادئ التي تؤمن بها. هذا الدور لا يعني بالضرورة التنافس مع القوى الأخرى، بل السعي إلى بناء عالم أكثر استقرارًا وعدلاً للجميع.
خلاصة: أوروبا في مفترق طرق
إن دعوة أورسولا فون دير لاين إلى التخلي عن “الحذر التقليدي” تمثل اعترافًا صريحًا بأن أوروبا تواجه تحديات غير مسبوقة في عالم يتسم بـ القوة الفجّة. هذا التحول الاستراتيجي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لضمان مستقبل أوروبا وحماية مصالحها. يتطلب هذا التحول وحدة أوروبية قوية، واستثمارًا كبيرًا في القدرات التكنولوجية والاقتصادية، وتولي أوروبا دورًا أكبر في القيادة العالمية. هل ستنجح أوروبا في الاستجابة لهذا التحدي؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد ملامح النظام الدولي في السنوات القادمة. ندعوكم لمشاركة آرائكم حول هذا الموضوع الهام في قسم التعليقات أدناه.



