في السنوات الأخيرة، شهدت الطموحات الصينية في مجال استكشاف الفضاء تطوراً ملحوظاً. فمنذ أن أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ قبل حوالي عشر سنوات عن حلمه في تحويل الصين إلى “قوة فضائية”، لم تتوانَ بكين عن الاستثمار والعمل لتحقيق هذا الهدف. هذا التحول لا يقتصر على البرامج الحكومية فحسب، بل يشمل أيضاً نمواً متسارعاً في قطاع الفضاء الخاص، مما يفتح آفاقاً جديدة للتنافس والابتكار. يركز هذا المقال على التطورات الأخيرة في صناعة الفضاء الصينية، والتحديات التي تواجهها، والفرص المتاحة لها.
حلم القوة الفضائية: مسيرة الصين نحو الفضاء
أطلقت الصين بالفعل مسباراً إلى المريخ، وأنشأت محطتين فضائيتين عاملتين حول الأرض، وهما “تيانجونغ” و “تيانجونغ-2”. لكن التحدي الأكبر يكمن في تطوير قطاع الفضاء الخاص، الذي لا يزال متخلفاً عن نظيره الأمريكي. تسعى الشركات الصينية الخاصة الآن إلى لعب دور أكبر في هذا المجال، مع التركيز بشكل خاص على خفض تكاليف الوصول إلى الفضاء. إحدى الخطوات الحاسمة في هذا الاتجاه هي القدرة على استعادة المرحلة الأولى من الصواريخ، وهي تقنية تهدف إلى إعادة استخدام مكونات الصاروخ لتقليل التكاليف بشكل كبير.
الشركات الصينية الخاصة: رواد المستقبل
على الرغم من أن الصين لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة في عدد الشركات العاملة في مجال الفضاء، إلا أن هناك مجموعة من رواد الأعمال الطموحين الذين يسعون إلى تغيير هذا الوضع. من بين أبرزهم تشانغ تشانغو، المصرفي السابق الذي أسس شركة “لاند سبايس” (LandSpace)، وكانغ يونغلاي، المهندس الذي أسس شركة “سبايس بيونير” (Space Pioneer). تهدف هاتان الشركتان، وغيرها، إلى تطوير تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، والتي تعتبر مفتاحاً لخفض تكاليف الإطلاق.
الإطلاق والإنتاج: أرقام وتحديات
أجرت الصين حوالي 100 عملية إطلاق إلى المدار العام الماضي، لكن شركاتها الخاصة كانت مسؤولة عن 16 عملية فقط. بالمقابل، أطلقت الولايات المتحدة 180 صاروخاً، منها أكثر من 160 عملية نفذتها شركة “سبايس إكس” (SpaceX) التابعة لإيلون ماسك. هذا الفارق الكبير يوضح مدى هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد الفضائي العالمي، الذي نما من 300 مليار دولار إلى حوالي 600 مليار دولار خلال العقد الماضي، ومن المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2035.
تكلفة الإطلاق: الفارق بين الصين وأمريكا
تعتبر تكلفة الإطلاق من أهم العوامل التي تحدد القدرة التنافسية في قطاع الفضاء. في الوقت الحالي، يتعين على العملاء دفع حوالي 8600 دولار لنقل كيلوغرام واحد من البضائع من ميناء فضائي صيني إلى المدار الأرضي المنخفض. بينما يمكن لصاروخ “فالكون 9” من “سبايس إكس” نقل نفس الحمولة إلى نفس المدار بتكلفة تقدر بحوالي ثلث السعر الصيني. هذا الفارق الكبير يعكس الحاجة الملحة للشركات الصينية إلى تطوير تكنولوجيا أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة.
تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام: نقطة التحول
تعتمد جميع عمليات الإطلاق الصينية تقريباً على سلسلة صواريخ “لونغ مارش” (Long March) التي تصنعها شركة الصين للعلوم والتكنولوجيا الفضائية المملوكة للحكومة. على الرغم من موثوقية هذه الصواريخ، إلا أنها مصممة في الغالب لتلبية احتياجات البرامج الفضائية الحكومية، مما يحد من توافرها للشركات الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الشركة تتجنب المخاطرة، مما يقلل من حافزها لخفض التكاليف.
ومع ذلك، بدأ هذا الوضع في التغير. في ديسمبر الماضي، أجرت شركة “لاند سبايس” اختبار إطلاق لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام، على الرغم من أن الجزء القابل لإعادة الاستخدام انفجر قبل أن يتمكن من الهبوط. ومن المتوقع أن تختبر شركة “سبايس بيونير” مركبتها القابلة لإعادة الاستخدام “تيانلونغ 3” (Tianlong-3) في عام 2026. وتعمل شركات صينية أخرى أيضاً على تطوير صواريخ مماثلة. هذا التحول نحو الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام يمثل خطوة حاسمة نحو تحقيق هدف خفض التكاليف وزيادة القدرة التنافسية لـ القطاع الفضائي الصيني.
دعم حكومي وتوسع في الإنتاج
بالإضافة إلى جهود الشركات الخاصة، تقدم الحكومة الصينية دعماً كبيراً لقطاع الفضاء. تم إنشاء وزارة جديدة مخصصة لتطوير هذا القطاع، ومن المتوقع أن تخصص المزيد من الموارد الحكومية له. كما تسعى مصانع الأقمار الاصطناعية الصينية إلى زيادة إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد. هذا الدعم الحكومي، إلى جانب وجود عدد كبير من المهندسين ورجال الأعمال الطموحين، يمنح برامج الفضاء الصينية ميزة تنافسية كبيرة.
المستقبل: متى ستلحق الصين بالركب؟
على الرغم من التحديات التي تواجهها، فإن قطاع الفضاء الصيني يتمتع بإمكانيات هائلة. بفضل الدعم الحكومي، والابتكار في القطاع الخاص، والتركيز على تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، فمن المرجح أن تلحق الصين بالركب في مجال استكشاف الفضاء في المستقبل القريب. السؤال ليس ما إذا كانت الصين ستصبح قوة فضائية، بل متى ستحدث هذه اللحظة. الاستثمارات المستمرة والتطورات التكنولوجية تشير إلى أن الصين تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هذا الهدف الطموح، مما سيؤدي إلى تغيير ميزان القوى في مجال الفضاء.
