لا ربيع في غزة ، بل شتاء فتحت فيه السماء كل فوهات براكينها لتصب حمماً على امتداد عام ونصف فكانت تحرق كل شيء في رحلة تعذيب هي الأصعب في تجربة التاريخ الدامية.
فلم يحدث أن حوصر شعب في بقعة أرض محدودة وأغلقت أمامه كل منافذ الهروب ولم يترك له سوى خيارات الموت أو الموت ليخرج في الشوارع كافراً بكل ما يحدث عندما وجد نفسه عالقاً في حرب خاسرة فقد فيها الابن والحبيب، وجائعاً كسيراً حزيناً بلا أفق لنهاية هذا الكابوس الطويل عبر الزمن.
حدث ما لم يحسب له حساب في غزة من تصدع داخلي وسط الحرب ليزيد من اختناق اللحظة الفلسطينية المختنقة بالانقسامات، وذلك عندما خرجت تظاهرات عفوية تطالب بوقف الحرب بدأت من بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة وامتدت في عديد من مناطقه لكن اللافت هو مطالبة المتظاهرين حركة حماس بالتخلي عن الحكم بشعارات قاسية، وقد واجهتها الحركة باتهامات أكثر قسوة على لسان أكثر من مسؤول يتهمها بأنها خرجت من غرف مخابرات إسرائيل وهي تهمة لا تليق بشعب صمد وتحمل ودفع أفدح الأثمان.
من الغريب أن تندهش حركة حماس التي حكمت قطاع غزة بعد طردها للسلطة بالقوة وكانت حصيلة تجربتها هي الأسوأ، حيث كانت هناك مجموعة من الحروب التي لا تتوقف، ترافقها رحلة فقر وحصار وانعدام ممكنات الحياة مع تشكيلها لأجهزة أمن لا يحتفظ سكان القطاع بذاكرة وردية لها دون تحقيق أي إنجاز على صعيد التحرير بل تترك غزة خرابة كبيرة، من الغريب أن تندهش ممن يطالبها بالتخلي عن حكم القطاع.
بدأت التظاهرات من بلدة بيت لاهيا عندما كانت عائلتا رجب وعليان تدفنان شهداءهما في مقبرة البلدة وأثناء مطالبة جيش الاحتلال لسكانها بالنزوح مرة أخرى نحو الجنوب، ولأن نتنياهو تمكن من وضع معادلة الحرب أو التبرير لها ببقاء حكم حماس فقد اجتهد الغاضبون للخروج بمسيرة يطالبون فيها الحركة بالتنحي متجهين نحو مستشفى الأندونيسي وقاد تلك التظاهرة مخاتير العائلتين وليس مجرد نشطاء ممكن أن تحركهم أصابع خفية أو ما شابه قبل أن تمتد لمناطق أخرى.
الناس في قطاع غزة باتوا يشعرون بعجز الحركة عن وقف العدوان، فهي في حالة من الضعف التي لا تمكنها من التأثير في سياق الأحداث.
فلا هي قادرة على رد عدوان يتحضر لاحتلال كل القطاع ولا قادرة على حماية الناس الذين يموتون بالمئات ولا قادرة على فتح معابر وسط حالة تجويع تجتاح الغزيين، لكن الأهم أن الناس اعتقدت أن إعلان حماس أنها لم تعد حاكماً لغزة ما ينزع مبرر استمرار الحرب في ظل انغلاق الخيارات واستمرار المقتلة مع قلة حيلة النظام الحاكم.
لقد أرادت إسرائيل منذ بداية حربها على القطاع تصوير الغزيين على أنهم جميعاً أعضاء أو مناصرون لحركة حماس في محاولة منها لشرعنة إبادة الجميع وسحق غزة وتهجيرها، وتأتي هذه التظاهرات لتكذب الرواية الإسرائيلية.
لكن السؤال بالنسبة للمتظاهرين غير المعنيين برواية أطراف الحرب هو كيف تنتهي الحرب ولماذا يستمر حكم الحركة الذي لم يخلف سوى التعثر والمآسي دون تحقيق أي إنجاز يذكر بل ينتهي بالمبادرة بعملية انتحارية تكون نتيجتها سحق غزة ؟
هناك خوف كبير من هذا التصدع الداخلي والذي تتحمل مسؤوليته الحركة. فلا يمكن بأي حال التشكيك بإرادة شعب تحمل ما لا تتحمله أعتى الجبال، فعلى امتداد الحرب كانت الناس تنتظر نهاية لها ترى أملاً بالمفاوضات لكن مع عودة الحرب بعد الهدنة فقدت الناس الأمل وخرجت تصرخ في الشوارع، وفي هذا ما يجب احترامه لا إهانته.
لكن اللغة المتبادلة والاتهامات بين المتظاهرين وحركة حماس تشي بما يخشاه الكثيرون من صدام داخلي وتلك وصفة إسرائيلية للهجرة؛ لأن تجربة التاريخ تقول إن الشعب اللبناني هاجر نتيجة الحرب الأهلية لا بسبب الاجتياح الإسرائيلي وإن أربعة ملايين من السوريين هاجروا بسبب الحرب الأهلية أيضاً، وتجارب التاريخ كثيرة.
الظرف شديد الصعوبة ولم تترك إسرائيل للفلسطينيين في غزة خيارات سوى التمهيد لمشروعها بتفريغ القطاع.
فحركة حماس التي تحتاج لفترة من الزمن تبتعد فيه عن المشهد تقف أمام نفسها وما تسببت به للشعب نتاج مغامراتها غير المحسوبة هي بحاجة لرجة عنيفة تراجع فيها الكثير، لكنها لا تريد ذلك، تبحث عن حضور لها في المشهد وأن خيار السلطة غير وارد إسرائيلياً أما الخيار العربي فهو يصطدم أيضاً بإسرائيل، بل تذهب إسرائيل أبعد نحو تجريد غزة من السلاح فتحاجج حماس بأن السلاح لضمان ألا تتكرر صبرا وشاتيلا، كأنه لم تكن هناك صبرا وشاتيلا يومياً على امتداد أشهر الحرب وقف خلالها السلاح عاجزاً عن حماية أي طفل.
التظاهرات هي تعبير عن مأزق اللحظة. وعلى حركة حماس أن تفهم واقع هذا المأزق وأن تتفهم المزاج الشعبي المكلوم، وأن تبحث عن حلول لهذا النفق الطويل الذي تسببت به بالتعاون مع تلك الإرادة لا تخوينها والتشهير بها لأن هذه الإرادة هي صاحبة التفويض أولاً وأخيراً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية