في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تتصدر بولندا جهود تعزيز الأمن الأوروبي، خاصةً في مواجهة التهديدات المتزايدة من الطائرات بدون طيار. أعلن وزير الدولة في وزارة الدفاع البولندية، سيزاري تومتشيك، عن تفاصيل نظام دفاعي جديد متطور، بقيمة ملياري يورو، يهدف إلى التصدي للطائرات بدون طيار، ليصبح الأكبر من نوعه في أوروبا. هذا النظام، الذي يحمل اسم “سان”، يمثل خطوة استباقية لحماية الأجواء البولندية والبنية التحتية الحيوية من التهديدات المحتملة.
نظام “سان” المضاد للطائرات بدون طيار: درع بولندا الجديد
يهدف نظام “سان” إلى اكتشاف وتعطيل الطائرات بدون طيار المعادية، وسيتم نشره على طول الحدود الشمالية والشرقية لبولندا. من المقرر أن يبدأ تشغيل هذا النظام في صيف العام الجاري، متقدماً بذلك على خطط الاتحاد الأوروبي لتطوير جدار مضاد للطائرات بدون طيار. يعتبر هذا النظام جزءاً لا يتجزأ من شبكة الدفاع الجوي المتكاملة التي تبنيها بولندا، والتي تشمل أنظمة “ويسلا” و”ناريو” و”بيليكا بلس” ذات المدى المختلف.
أبعاد النظام الدفاعي الجديد
أكد تومتشيك أن النظام مصمم للدفاع في أوقات الحرب، ولكنه يمكن استخدامه أيضاً في أوقات السلم، مما يعكس رؤية بولندا الشاملة للأمن. هذا النظام لا يمثل مجرد استجابة للتهديدات الحالية، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الأمن الأوروبي. يُظهر هذا التوجه البولندي استعداداً قوياً لمواجهة التحديات الأمنية المتغيرة، وتقديم حلول مبتكرة لحماية الأراضي والبنية التحتية.
بولندا في طليعة الابتكار العسكري لحلف الناتو
تتميز بولندا عن بقية دول التحالف الغربي بتركيزها على الاستعدادات لحرب شاملة، بالإضافة إلى الاستجابة للحرب الهجينة المتسارعة مع روسيا. هذا النهج الاستباقي يضع بولندا في طليعة الابتكار العسكري داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”. تعتبر خارطة طريق الاتحاد الأوروبي للاستعداد الدفاعي، التي نشرت في أكتوبر، خطوة مهمة نحو تعزيز قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها ضد روسيا بحلول عام 2030، إلا أن بولندا تتجاوز هذه الخطط من خلال اتخاذ إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
الرد على التهديدات الروسية المتزايدة
أظهرت روسيا عدم اكتراثها بخطط الاتحاد الأوروبي من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية في بولندا، مثل خطوط السكك الحديدية التي تربط وارسو بأوكرانيا. هذه الهجمات تؤكد أن الكرملين سيواصل عملياته الهجينة، وتهديد أمن دول الناتو. في هذا السياق، تدرك بولندا أن الاستعدادات لحرب تقليدية شاملة يجب أن تترافق مع ردع فعال للعمليات الروسية المزعزعة للاستقرار التي تستهدف نقاط ضعف الحلف.
الحرب الهجينة والدرع الشرقي
باعتبارها ثالث أكبر قوة عسكرية في الناتو وأكبر اقتصاد في شرق أوروبا، وجدت بولندا نفسها في قلب هذه الدوامة. لم تتعرض بولندا لهجمات الطائرات بدون طيار الروسية وتفجير السكك الحديدية فحسب، بل أيضاً للتخريب المتعمد والهجمات الإلكترونية. لذلك، تعاملت بولندا مع الحملة الروسية الخفية باعتبارها خطراً لا يمكن فصله عن التهديد الروسي الأوسع نطاقاً لأوروبا.
مواجهة التهديدات المتنوعة
استجابةً لهذه التهديدات، طورت بولندا سياستها الدفاعية الداخلية ضد الحرب الهجينة الروسية، وأطلقت مشروع “الدرع الشرقي” لبناء 700 كيلومتر من التحصينات وشبكات الدفاع عالية التقنية على طول حدودها الشرقية، بتكلفة 2.5 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، بدأت بولندا في استخدام ترسانتها الدفاعية المتنوعة لمواجهة التهديدات الأكثر إلحاحاً، بما في ذلك نظام “ميرويس” المضاد للطائرات بدون طيار، وعملية “هورايزن” التي نشرت 10 آلاف جندي لحراسة البنية التحتية الحيوية، وتطبيق ذكي للإبلاغ عن أي أعمال تخريب. نظام “سان” هو أحدث إضافة إلى هذه الاستجابة الشاملة.
بولندا: رأس حربة الناتو في الدفاع الهجين
في ظل الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالأمن عبر الأطلسي، ستكون بولندا “رأس حربة” لحلف الناتو في مجال الدفاع الهجين. ويرى وزير الدولة في وزارة الدفاع البولندية، سيزاري تومتشيك، أن دور بولندا قد يمتد إلى أبعد من ذلك، من خلال الدعوة إلى ردع نشط وأقل اعتماداً على الدفاع السلبي في مواجهة الحرب الخفية التي تشنها روسيا. الأمن القومي لبولندا، وبالتالي أمن أوروبا، يعتمد على هذا التحول في الاستراتيجية. التهديدات الجوية، وخاصة من الطائرات بدون طيار، تتطلب استجابة سريعة وفعالة.
في الختام، يمثل نظام “سان” المضاد للطائرات بدون طيار خطوة حاسمة في تعزيز الأمن الأوروبي، ويؤكد دور بولندا الرائد في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. من خلال الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وتبني استراتيجية دفاعية شاملة، تضع بولندا معياراً جديداً للاستعداد والردع في حلف الناتو. هذا النظام ليس مجرد درع دفاعي، بل هو رسالة واضحة إلى روسيا مفادها أن أوروبا مستعدة للدفاع عن نفسها وعن قيمها.
