في لحظة دولية تتسع فيها بؤر الاشتعال من غزة إلى السودان، ومن سوريا واليمن إلى أوكرانيا، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة انفجار متزامن للأزمات. هذا الواقع المعقد يدفع إلى التساؤل حول مستقبل إدارة الصراعات الدولية، خاصة مع طرح مبادرات جديدة مثل “مجلس السلام” الذي تقترحه الولايات المتحدة. هل هذه المبادرات تمثل حلاً للأزمات المتفاقمة، أم أنها مجرد محاولة لإعادة ترتيب النظام الدولي بما يخدم مصالح قوة واحدة؟
تصاعد الأزمات وانهيار منظومة إدارة الصراعات الدولية
يشهد العالم اليوم حالة من عدم الاستقرار لم يشهدها منذ فترة طويلة. لم تعد الأزمات مجرد أحداث منفصلة، بل تبدو وكأنها نتيجة حتمية لانهيار منظومة إدارة الصراعات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. هذه المنظومة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تواجه تحديات جمة، بدءًا من الانقسامات الداخلية في مجلس الأمن، وصولًا إلى تراجع فاعلية القانون الدولي. القوى الكبرى لم تعد تعتبر القانون الدولي قيدًا ملزمًا، بل عبئًا سياسيًا يمكن تجاوزه عند الضرورة. هذا التراجع في الالتزام بالقانون الدولي يفتح الباب أمام منطق القوة العارية، مما يزيد من تعقيد المشهد الدولي ويصعب من إيجاد حلول للأزمات.
“مجلس السلام”: هل هي أداة جديدة أم محاولة للالتفاف؟
في هذا السياق، تعود الولايات المتحدة إلى المسرح الدولي، مع عودة دونالد ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض، بطرح فكرة “مجلس السلام” كآلية جديدة لإدارة النزاعات، بدءًا من غزة. يثير هذا الطرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى إيجاد حلول حقيقية للأزمات، أم أنها تحاول ببساطة فرض رؤيتها الخاصة وإعادة هندسة النظام الدولي بما يتماشى مع مصالحها. السؤال الجوهري لم يعد يتعلق بمدى قدرة هذه الآلية على إحداث اختراق في ملف معين، بل بمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة الصراعات العالمية بشكل منفرد، دون تنسيق حقيقي مع القوى الدولية والإقليمية الأخرى، ودون إشراك الأطراف المعنية بشكل مباشر.
غزة: اختبار حقيقي لفشل القانون الدولي
تعتبر الأزمة في غزة بمثابة نقطة اختبار حقيقية لفشل النظام الدولي الحالي. على الرغم من التغطية الإعلامية المكثفة، لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، ولا يوجد أفق سياسي واضح، ولا تتم محاسبة أي من الأطراف على انتهاكاتها للقانون الدولي. تُدار المأساة في غزة كملف إنساني منفصل عن جذوره السياسية، مع التركيز على الإغاثة وتخفيف المعاناة، بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للصراع. في غزة، يتجلى عجز النظام الدولي بأوضح صوره: احتلال بلا محاسبة، وعدوان بلا مساءلة، وصمت دولي يكاد يكون تواطؤًا. إدارة الصراعات في غزة، كما في غيرها من المناطق، تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والإنسانية والقانونية.
“مجلس السلام” وتعميم النموذج: مخاطر محتملة
إن فكرة تعميم نموذج “مجلس السلام” على نزاعات دولية أخرى، مثل أوكرانيا وفنزويلا، تحمل في طياتها مخاطر جمة. قد يؤدي ذلك إلى بناء آليات موازية للنظام الدولي القائم، تتجاوز الأطر الأممية بحجة بطئها وعجزها، لكنها في الواقع تعيد إنتاج النهج نفسه الذي قاد إلى هذا الانهيار. هذا النهج، القائم على التفرد وإقصاء الآخرين، لا يمكن أن يؤدي إلى حلول مستدامة للأزمات.
حدود القوة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب
على الرغم من قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية، إلا أنها تواجه حدودًا في قدرتها على فرض الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب. في أوكرانيا، لا يمكن تجاهل دور روسيا ومصالحها. وفي سوريا، لا يمكن القفز فوق تشابك المصالح الإقليمية والدولية. وفي فنزويلا، لا يمكن تجاهل الوزن السياسي لقوى أمريكا اللاتينية. أما في غزة، فلا يمكن شطب الواقع السياسي والاجتماعي، ولا القفز فوق الحقوق الوطنية الفلسطينية. الأزمات الدولية متشابكة ومعقدة، ولا يمكن حلها من خلال تدخل قوة واحدة دون مراعاة مصالح الأطراف الأخرى.
الشرعية الأخلاقية والسياسية: شرط أساسي للقيادة
بالإضافة إلى ذلك، تفتقر الولايات المتحدة اليوم إلى الشرعية الأخلاقية والسياسية اللازمة لقيادة نظام عالمي جديد. الانحيازات الصارخة، وازدواجية المعايير، وتجاهل القانون الدولي عندما يتعارض مع المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، تقوض أي ادعاء بالقيادة أو الوساطة. إن فرض حلول من الخارج، دون التوصل إلى توافق دولي، لا ينتج سلامًا، بل يعمق الفوضى. الدبلوماسية الدولية والتنسيق بين القوى المختلفة هي السبيل الوحيد لإيجاد حلول مستدامة للأزمات.
دروس التاريخ: لا سلام يُفرض من الخارج
التاريخ مليء بالأمثلة على الحلول الفوقية التي فُرضت على صراعات معقدة، والتي باءت بالفشل في النهاية. اتفاق سايكس–بيكو، الذي قُدِّم كترتيب للاستقرار، زرع بذور الصراع في المنطقة لعقود طويلة. اتفاق دايتون، الذي أنهى الحرب في البوسنة، جمّد الصراع دون معالجته من جذوره. إدارة ما بعد غزو العراق، التي أنشأت مؤسسات بلا توافق وطني، فجّرت الدولة بدلًا من إنقاذها. هذه التجارب تثبت أن الحلول التي تُصاغ خارج المجتمعات، ومن دون إشراك الفاعلين الحقيقيين، قد تنجح في تعليق الصراع مؤقتًا، لكنها تفشل في معالجته بشكل جذري.
نحو إدارة للأزمات بدلاً من نظام عالمي جديد
المشكلة لا تكمن في غياب الأفكار أو الأدوات، بل في الإصرار على نهج التفرد وتجاهل القانون الدولي. لا يمكن لـ “مجلس السلام” في غزة، ولا لأي آلية دولية أخرى في أوكرانيا أو فنزويلا، أن تنجح في ظل هذا المنطق. ما يُطرح اليوم ليس سلامًا، بل إدارة مؤقتة للفوضى، ريثما تعود الأزمات للانفجار، وربما على نطاق أوسع وأكثر عنفًا.
وفي ظل هذه الفوضى الكونية وغياب القانون، فإن الخطر الحقيقي يكمن في إقصاء الشعوب وتهميش القادة المخلصين. يجب استعادة الفعل السياسي الوطني، وفرض أولوية الوحدة والمساءلة والتمثيل الحقيقي، حمايةً للمجتمع قبل القضية، وصونًا لتضحيات شعبٍ يدفع أثمانًا باهظة.
