إن الظروف الراهنة في قطاع غزة لم تعد تصف المجاعة كخطر محتمل، بل كواقع مرير يتجلى بوضوح في حياة الناس، متفاقماً بفعل تضافر عدة سياسات قاسية وممارسات داخلية خطيرة. ففي تاريخ 2026/04/01، تستمر سياسات الحصار الإسرائيلية جنباً إلى جنب مع ممارسات الاحتكار والتلاعب بالأسعار في الداخل، لتحويل الغذاء من حق أساسي إلى أداة للاستغلال والربح، مما يعمق الأزمة الإنسانية في القطاع بشكل غير مسبوق.
## غزة على حافة المجاعة: واقع مؤلم وتحديات متفاقمة
تتصدر الأزمة الإنسانية في غزة اليوم المشهد، حيث تتجلى المجاعة كشكل من أشكال حرب الإبادة في قطاع غزة بشكل متزايد. لم يعد الأمر مجرد تحذيرات، بل واقع ملموس يتسلل إلى كل بيت، مهدداً حياة عشرات الآلاف. هذا الواقع الكارثي ليس ناتجاً عن عامل واحد، بل عن تلاقي سياسات الحصار والعدوان الإسرائيلي مع ممارسات داخلية لا تقل خطورة، تتمثل في احتكار السلع الأساسية والتلاعب المنهجي بأسعارها، حيث يتم حجب المواد الغذائية ورفع أسعارها بصورة مصطنعة في غياب تام للرقابة والمساءلة.
تتغذى هذه الأزمة من السياسات الإسرائيلية التي تواصل تقليص إدخال شاحنات المساعدات والمواد الحيوية، بما في ذلك الوقود والغاز، في إطار سياسة ممنهجة لإبقاء القطاع على حافة الانهيار. إن استخدام التجويع كسلاح سياسي للضغط والابتزاز أدى إلى شح خطير في الإمدادات وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، دافعاً المجتمع بأسره نحو مستويات غير مسبوقة من الفقر والعوز. هذا النهج يضاعف من معاناة السكان، ويعرضهم لمخاطر صحية واجتماعية جسيمة.
### تبعات الخروقات الإسرائيلية وتعثر الحلول السياسية
تتفاقم الأوضاع بفعل تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ في أكتوبر الماضي، نتيجة الخروقات الإسرائيلية المتكررة. في هذا السياق، يجري الدفع باتجاه إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في القطاع وفق شروط تمس جوهر القضية الوطنية، وخاصة ما يتعلق بمسألة الإدارة والسيطرة. بالتوازي، ما تزال لجنة التكنوقراط التي جرى الإعلان عن تشكيلها تراوح مكانها، أسيرة التعقيدات السياسية والتجاذبات الداخلية. هذا الأمر يعمق حالة الفراغ الإداري ويؤخر أي إمكانية لمعالجة الانهيار المتسارع في الأوضاع الإنسانية، مما يزيد من معاناة السكان في قطاع غزة.
### سياسات الجباية وتضاعف الأعباء على المواطنين
إلى جانب هذه التحديات، تشهد هذه اللحظة الحرجة عودة لسياسات فرض الضرائب والرسوم الباهظة على السلع، وتصاعداً في الجباية، بما في ذلك ما تفرضه البلديات. هذه الجباية لا تستثني حتى القاطنين في خيامهم وأصحاب البسطات من محدودي الدخل، في وقت يُفترض فيه تخفيف الأعباء عن الناس لا زيادتها. إن تحميل المواطنين كلفة الحصار والحرب، تحت أي مبرر، يشكل انتهاكاً فاضحاً لحقوقهم، ويعكس خللاً عميقاً في أولويات السياسات العامة التي ينبغي أن تنحاز للفقراء وتوفير الحماية لهم.
## حماية صمود غزة: مسؤولية وطنية وإنسانية
إن مواجهة شبح المجاعة ومنع إعادة إنتاج حرب الإبادة بأشكالها المختلفة، بما فيها حرب التجويع، والتصدي لمخططات التهجير، لا يمكن أن يتحقق عبر استعراضات القوة ونشر الحواجز، بما تحمله من إشارات واضحة للتمسك بسلطة الحكم. ناهيك عن كونها مستهدفة يومياً من قبل الاحتلال وسقوط عشرات الشهداء، الأمر الذي ستتخذه حكومة بنيامين نتنياهو ذريعةً إضافية للعودة إلى حرب الإبادة. ولا من خلال إنهاك المواطنين بالجباية والرسوم. بل عبر سياسات مسؤولة تنحاز للفقراء، وتعزز صمود الناس، وتكرس العدالة والتكافل الاجتماعي في مواجهة الحصار والعدوان.
إن غزة اليوم تقف على حافة كارثة إنسانية شاملة، ولم يعد الصمت أو التردد خياراً. إن استمرار هذه السياسات يعني الذهاب الواعي نحو تعميق المجاعة وتكريس الانهيار واستدعاء العدوان، وهو ما يفرض تحركاً عاجلاً ومسؤولاً لوقف هذا المسار الكارثي. فالمعركة اليوم ليست فقط مع الحصار والعدوان، بل أيضاً مع كل السياسات التي تُثقل كاهل الناس وتدفعهم نحو اليأس. وعليه، فإن حماية صمود المواطنين وتعزيز بقائهم على أرضهم يجب أن تكون أولوية مطلقة، لا شعاراً يُرفع.
### متطلبات اللحظة الراهنة لإنقاذ غزة
تتطلب اللحظة الراهنة إجراءات جدية تنحاز بوضوح للفقراء والمهمشين، وتضع حداً للاحتكار والجباية، وتعيد توجيه الموارد لخدمة الناس لا استنزافهم. كما تتطلب استنهاض طاقات المجتمع وتعزيز التكافل الاجتماعي، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات التجويع والتهجير. إما سياسات تحمي الناس وتحصن صمودهم، وإما الانزلاق نحو واقع يفتح الأبواب أمام مزيد من الكوارث. إنها لحظة اختيار حاسمة، لا تحتمل المناورة ولا التأجيل في سبيل إنقاذ قطاع غزة من الكارثة المحتمة.
في الختام، إن الوضع في قطاع غزة اليوم يمثل لحظة مفصلية تتطلب وقفة جدية ومسؤولة. فالمجاعة، وما يصاحبها من سياسات قمعية واقتصادية، لم تعد مجرد تهديد، بل واقع مرير يستدعي تدخلاً سريعاً وحقيقياً لضمان صمود السكان وحماية حقوقهم الأساسية في الحياة والكرامة.
