للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، تواجه الولايات المتحدة منافساً بحرياً قادراً على تحدي السيطرة الأميركية على البحار والتجارة العالمية. هذا التحدي، الذي يمثله صعود الصين كقوة بحرية، يفرض إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية البحرية الأمريكية، ويستدعي جهوداً مضاعفة لضمان الحفاظ على التفوق البحري في عالم يتغير بسرعة. لقد أمضت الصين عقوداً في بناء أسطول حديث وقادر، وتحويل قوتها الصناعية الهائلة إلى قوة عسكرية بحرية متنامية.
صعود الصين وتحدي الهيمنة البحرية الأمريكية
لقد شهدنا تحولاً ملحوظاً في ميزان القوى البحرية، حيث لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالهيمنة المطلقة التي كانت عليها لعقود. التوسع السريع في قوة بكين البحرية، إلى جانب سيطرتها المتزايدة على صناعة السفن التجارية، يغير قواعد اللعبة. هذا التطور لا يقتصر على زيادة عدد السفن، بل يشمل أيضاً تبني تقنيات متطورة مثل الأنظمة غير المأهولة والأسلحة الموجهة بدقة. القوة البحرية الصينية تتزايد بسرعة، مما يهدد المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم.
الضغوط المتزايدة على البحرية الأمريكية
في الوقت نفسه، تواجه البحرية الأمريكية ضغوطاً متزايدة من جميع الجهات. القوى الإقليمية تطلب المزيد من الدعم والوجود البحري، مما يزيد من المهام الموكلة إلى البحرية. يُطلب من البحرية أن تفعل المزيد بموارد أقل، وأن تقوم بدوريات في منطقة أوسع من أي وقت مضى، بأسطول أصغر حجماً وأقدم عمراً. هذه الزيادة في المهام، إلى جانب مشكلات الاستعداد وتراكم أعمال الصيانة، تهدد قدرة أمريكا على الاستجابة بفعالية عند اندلاع الأزمات. الاستعداد القتالي للبحرية الأمريكية أصبح محل قلق متزايد.
مشكلات بناء السفن والصيانة
تعتبر مشكلات بناء السفن وصيانتها من أبرز التحديات التي تواجه البحرية الأمريكية. أحواض بناء السفن تكافح من أجل التسليم في الوقت المحدد وضمن الميزانية، مما يؤدي إلى تأخيرات كبيرة وارتفاع التكاليف. العديد من الخطط الطموحة لبناء سفن جديدة تحولت إلى مجرد مشاريع حبر على ورق. الإلغاء الأخير لبرامج مثل المركبة البحرية غير المأهولة “أوكرا” والفرقاطة من فئة “كونستيلايشن” دليل على هذه المشكلات.
اللجنة الوطنية لمستقبل البحرية: محاولة لإعادة التفكير
إدراكاً لهذه التحديات، أنشأ الكونغرس الأمريكي اللجنة الوطنية لمستقبل البحرية. تُكلف هذه اللجنة الحزبية بمساعدة البحرية الأمريكية وقوات مشاة البحرية على المنافسة والردع والتفوق، باستخدام أدوات ومفاهيم حديثة ضد خصوم يمتلكون قدرات متطورة. على الرغم من الإعلان عن تشكيل اللجنة في عام 2022، لم يتم تعيين أعضائها إلا في عام 2024، ولم تتم الموافقة على تمويلها إلا في أواخر العام الماضي، مما يعكس مدى تعقيد هذه المهمة.
أولويات اللجنة: أفكار جديدة وحلول عملية
العمل كثير، والمسؤولون الأمريكيون يسعون إلى العمل بسرعة. تركز اللجنة على عدة أولويات رئيسية، بما في ذلك:
- اختبار الأفكار الناشئة: مثل الأسطول الهجين والاستخدام الموسع للأنظمة غير المأهولة.
- دراسة حالات الفشل في بناء السفن والصيانة: لتحديد الأسباب الجذرية وإيجاد حلول عملية.
- مواجهة الطلب العالمي المستمر على القوات البحرية: والذي يعيق جهود إعادة بناء الأسطول.
نحو استراتيجية بحرية أمريكية جديدة
لا يمكن للولايات المتحدة أن تتنازل عن أعالي البحار للصين، حتى مع وجود دعوات داخلية للتركيز على التحديات المحلية. لتحقيق ذلك، ستقوم اللجنة بوضع جدول أعمال طموح للبحث والتوعية، وستجمع آراء الخبراء والمسؤولين العسكريين والشركات الدفاعية. ستسعى اللجنة إلى الإجابة على أسئلة أساسية مثل: ما هو الغرض من البحرية؟ وكيف يمكننا بناء أسطول قادر على تلبية احتياجاتنا في القرن الحادي والعشرين؟ الاستراتيجية البحرية الجديدة يجب أن تكون مرنة وقابلة للتكيف مع التغيرات في البيئة الأمنية.
التعاون والتوصيات
ستقدم اللجنة توصيات ليس فقط إلى البحرية، بل أيضاً إلى الكونغرس والبيت الأبيض والصناعة الدفاعية. ستشارك اللجنة الخيارات والتوصيات مع جميع الأطراف المعنية، وستقدم تقريراً نهائياً يمكن أن يكون دليلاً للنواب والخبراء في جلسات الاستماع والمناقشة العامة. كما كتب والتر رالي ذات مرة: «من يسيطر على البحر يسيطر على التجارة. ومن يسيطر على تجارة العالم يسيطر على ثروات العالم، وبالتالي على العالم نفسه». بالنسبة لواشنطن، فإن المهمة واضحة: تحتاج الولايات المتحدة إلى بحرية قادرة على تأمين الخطوط البحرية وحماية تجارتها في مواجهة خصوم أصبحت لديهم القوة والجرأة.
تحديات ومشكلات
تواجه البحرية الأمريكية تحديات عدة في سعيها إلى توسيع أسطولها. ولا يمكن حل أي منها بسهولة أو بسرعة. ويقدر تقرير جديد صادر عن خبراء في السياسة البحرية والدفاعية، أن هناك حاجة ماسّة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات من قبل شركات بناء السفن والحكومة لإصلاح تأخيرات البحرية ومشكلة التكاليف، خصوصاً أن أسطول الصين يتفوق على أسطول الولايات المتحدة من حيث الحجم ويعتمد تقنيات جديدة ليصبح قوة بحرية مهيمنة. هذه التحديات تتطلب حلولاً مبتكرة وتعاوناً وثيقاً بين جميع الأطراف المعنية لضمان الحفاظ على التفوق البحري الأمريكي.
