في سياق متصاعد من التوتر المالي والسياسي، أعلنت سلطة الإنفاذ والجباية الإسرائيلية عن حجزها لمبلغ 149 مليون شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية. يأتي هذا الإجراء كجزء من سياسة إسرائيلية مستمرة تستهدف الضغط على السلطة الفلسطينية، وتحويل هذه الأموال إلى تعويضات لعائلات إسرائيلية تضررت في عمليات أمنية. هذا الحجز يفاقم الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة الاقتصادية بين الطرفين.
تفاصيل الحجز وأسبابه
أفادت سلطة الإنفاذ والجباية الإسرائيلية في بيان رسمي بأن الأموال المحجوزة تم تحويلها إلى 124 ملف إنفاذ جباية، وذلك بناءً على أحكام قضائية إسرائيلية. هذه الأحكام تقضي بتعويضات مدنية وعقابية لعائلات قتلى ومصابين إسرائيليين، نتيجة عمليات نفذها فلسطينيون. وقد تم تحويل المبالغ المالية مباشرة إلى الوكلاء القانونيين الذين يمثلون هذه العائلات.
وتعتبر إسرائيل أن هذه الإجراءات مبررة، حيث تزعم أن أموال المقاصة الفلسطينية مرتبطة بـ “مدفوعات تُصرف للأسرى الفلسطينيين”. وتعتبر هذه المدفوعات “قابلة للحجز” بموجب قوانينها، وتربطها بشكل مباشر بالأحكام الصادرة في القضايا المتعلقة بـ “أعمال عدائية”.
آلية الحجز والتنفيذ
تتولى مديرية الإنفاذ التابعة لوزارة القضاء الإسرائيلية مهمة جباية المبالغ المالية الصادرة بموجب قرارات المحاكم الإسرائيلية. يشمل ذلك التعويضات المخصصة لأسرى فلسطينيين محكومين بالسجن لفترات طويلة، بتهمة تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. وتوضح السلطة أن عملية التحصيل ليست سهلة بسبب سجن المحكومين، لكنها ترى أن استمرار السلطة الفلسطينية في دفع مخصصات لهم يتيح لها فرض حجوزات على أموالها.
وبحسب البيان، تم تحويل مبلغ 149 مليون شيكل من وزارة المالية الإسرائيلية إلى مديرية الإنفاذ، قبل توزيعه على الملفات المختلفة وتحويله إلى ممثلي عائلات القتلى والمصابين.
أمثلة على القضايا المتعلقة بالحجز
تنوعت القضايا التي استند إليها الحجز، وشملت عمليات أمنية وقعت على مدى سنوات عديدة. من بين هذه القضايا:
- عملية شارع بن يهودا (2001): تم صرف جزء من الأموال على خلفية أحكام تتعلق بهذه العملية التي أسفرت عن مقتل 11 شخصًا.
- عملية تفجير حي “بيت يسرائيل” (2002): تم تحويل أموال لملف تعويض متعلق بهذه العملية التي أسفرت عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم ستة أطفال.
- عملية إطلاق النار في مستوطنة “كرمي تسور” (2002): تم تحويل أموال لعائلات قتلى هذه العملية التي أسفرت عن مقتل زوجين وجندي احتياط وإصابة خمسة آخرين.
- تفجير مقهى “مومنت” (2002): شمل الحجز ملفات مرتبطة بهذه العملية التي قُتل فيها 11 إسرائيليًا وأصيب 65 آخرون.
- تفجير حافلة رقم 32 (2002): تم تحويل أموال لعائلات ضحايا هذه العملية التي أسفرت عن مقتل 19 شخصًا وإصابة 74.
بالإضافة إلى ذلك، شملت عمليات التحويل ملفات تعويض عن تفجيرات مقهى “هيلل” (2003)، وحافلة رقم 19 (2004)، وعملية إطلاق النار في بتل أبيب (2016)، وأحداث وقعت في شمال الضفة الغربية (2020)، وعمليات دهس وإطلاق نار بين عامي 2018 و2023.
الأزمة المالية الفلسطينية وتداعيات الحجز
يأتي هذا الإجراء في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية من أزمة مالية حادة، حيث تحتجز إسرائيل حوالي 4 مليارات دولار من أموال المقاصة. وقد وصلت المستحقات غير المدفوعة للموظفين في القطاعين العام والخاص إلى 4.26 مليار دولار. هذا الحجز الإضافي البالغ 149 مليون شيكل يزيد من تفاقم هذه الأزمة، ويضع السلطة الفلسطينية في موقف صعب للغاية.
الوضع الاقتصادي الفلسطيني يتدهور باستمرار، مما يؤثر على الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، مثل الرعاية الصحية والتعليم. كما يهدد هذا الوضع الاستقرار السياسي والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية.
مستقبل العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية
تعتبر هذه الإجراءات جزءًا من سياسة إسرائيلية متواصلة تهدف إلى التحكم بأموال السلطة الفلسطينية وفرض اقتطاعات وحجوزات عليها. وتستخدم إسرائيل المنظومة القضائية والإدارية كأداة لفرض السيطرة المالية على السلطة الوطنية الفلسطينية.
من الواضح أن هذا النهج يعيق أي جهود لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. فبدلاً من البحث عن حلول اقتصادية مشتركة، تواصل إسرائيل استخدام الضغط المالي كأداة سياسية.
وفي الختام، يمثل حجز أموال المقاصة الفلسطينية تطوراً خطيراً يفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، ويهدد مستقبل العلاقة الاقتصادية بين الطرفين. يتطلب هذا الوضع تدخلًا دوليًا عاجلاً للضغط على إسرائيل لوقف هذه الإجراءات، والسماح للسلطة الفلسطينية بالوصول إلى أموالها المستحقة. يجب على المجتمع الدولي العمل على إيجاد حلول اقتصادية مستدامة تضمن الاستقرار والازدهار للشعب الفلسطيني.
