فريد الريس: رحلة في ذاكرة الإمارات عبر الألوان والخطوط
يشهد المشهد الفني الإماراتي تطوراً ملحوظاً، ويبرز فيه أسماء فنانين شباب ينهلون من الإرث المحلي ويقدمونه برؤى معاصرة. ومن بين هؤلاء الفنانين، يتبوأ فريد الريس مكانة خاصة بفضل أعماله التي تجمع بين التوثيق البصري والتعبيرية العميقة، حيث يجسد في لوحاته التضاريس والعمارة الإماراتية، ويتعمق في سرد القصص التاريخية. هذا المقال يسلط الضوء على رحلة هذا الفنان التشكيلي، وأحدث معارضه “إرث ولون”، ورؤيته الفنية المتميزة.
معرض “إرث ولون”: استعادة الذاكرة البصرية لدبي
افتتح الفنان فريد الريس مؤخراً معرضه “إرث ولون” في “بيات غاليري” بدبي، والذي ضم 16 لوحة بالألوان المائية. يعكس المعرض الهوية البصرية الغنية للريس، وقدرته على تحويل الذكريات والتجارب الشخصية إلى أعمال فنية نابضة بالحياة. يركز المعرض بشكل خاص على دبي وتحولاتها، مستلهماً من معالمها المعمارية القديمة وتضاريسها الفريدة.
أكد الريس أن التحضير للمعرض استغرق أربع سنوات، مشيراً إلى أن اختيار الألوان المائية لم يكن سهلاً نظراً لصعوبة التحكم بها. “الألوان المائية تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ولكنها في المقابل تتيح لي تقديم التفاصيل الدقيقة التي تبرز جمال الإرث الإماراتي”، يقول الريس. يهدف الفنان من خلال هذا المعرض إلى تقديم هذا الإرث بأفضل صورة ممكنة، مع الحفاظ على أصالته وجماله.
الحداثة والإرث: تلاقح الأفكار في أعمال الريس
لا يقتصر فريد الريس على مجرد توثيق الماضي، بل يسعى إلى دمجه مع الحاضر، وإضفاء لمسة عصرية على أعماله. يعتبر الفنان أن الحاضر هو امتداد للماضي، ولهذا يحرص على استخدام ألوان نابضة بالحياة قد لا تكون موجودة في الواقع، لإبراز الجمال الكامن في الإرث المحلي.
“أميل إلى رسم الوجه التاريخي لدبي، ولكنني أضيف إليه عناصر من الحداثة. الإرث المحلي يتقبل احتمالات لونية متعددة، وأنا أستغل هذه المرونة لتقديم أعمال فنية فريدة ومبتكرة”، يوضح الريس. ويؤكد على أهمية ترويض الألوان، خاصة المائية، لإبراز درجاتها المختلفة والتعبير عن المشاعر والأحاسيس التي تكمن في داخله. فاللون، في نظره، ليس مجرد أداة للرسم، بل هو وسيلة للتواصل مع المتلقي ونقل رسالته.
التضاريس المعمارية: مصادر إلهام لا تنضب
تتنوع الأماكن والتضاريس التي يلجأ إليها فريد الريس في أعماله. يرسم البراجيل والمباني القديمة بدقة وإتقان، ثم ينتقل إلى صخور الجبال وشواطئ البحر، مستلهماً من جمال الطبيعة الخلابة. يعترف الفنان بأن اختياره لهذه الأماكن يعتمد على عوامل متعددة، أهمها نظرة الفنان الحساسة للمشاهد وقدرته على التقاط الجمال في التفاصيل الصغيرة.
“أميل بشكل خاص إلى رسم الجبال، لأنها تمثل عنصراً يتقبل احتمالات لونية متنوعة. يمكنني استخدام درجات البنفسجي والأزرق والأصفر وغيرها من الألوان للتعبير عن جمال الجبال بطريقة فريدة ومبتكرة”، يقول الريس. ويشير إلى أن 90% من اللوحات التي رسمها كانت نتيجة لزيارات ميدانية وتجارب شخصية، حيث يعايش المكان قبل رسمه، ويستكشف زواياه المختلفة، ويلتقط الصور ويجري التجارب اللونية.
السرد القصصي: بعد جديد في أعمال الفنان الإماراتي
إلى جانب الطبيعة والعمارة، بدأ فريد الريس في استكشاف مجال السرد القصصي التاريخي في أعماله. قدم في معرض “إرث ولون” لوحتين تحكيان قصصاً تاريخية مهمة، تتعلق بتاريخ دبي وتطورها. يعتبر الفنان أن هذه اللوحات تمثل بداية لمشروع أكبر، يهدف إلى تقديم إرث الإمارات بشكل شامل ومتكامل.
“في إحدى اللوحات، صورت قصة الاتحاد، مستخدماً رموزاً تعبر عن التطور والإنجازات والوصول إلى المريخ. وفي اللوحة الأخرى، رسمت خور دبي، الذي يعتبر شريان المدينة، ومنه انبثقت فكرة بناء ميناء جبل علي”، يوضح الريس. يهدف الفنان من خلال هذه اللوحات إلى إحياء الذاكرة التاريخية، ونقلها إلى الأجيال القادمة.
تأثيرات فنية ورؤية مستقبلية
يعترف فريد الريس بتأثره بالعديد من الفنانين الإماراتيين، وعلى رأسهم الفنان عبدالقادر الريس، الذي تلقى منه الكثير من الإرشادات والنصائح في بداية مسيرته الفنية. كما تأثر بتجربة الفنان مطر بن لاحج، الذي عاد إليه بعد انقطاع عن الرسم لمدة خمس سنوات.
يؤمن الريس بأن الفنان الإماراتي يجب أن يكون ابن بيئته، وأن يستلهم من تراثه وثقافته في أعماله. “كلما كانت الموضوعات التي ننقلها نابعة من بيئتنا، ستكون أعمالنا صادقة وتصل إلى الجمهور وتتفاعل معه”، يقول الريس. ويرى أن المشهد الفني في الإمارات يشهد حركة مزدهرة، وأن هناك دعماً كبيراً للفنانين من قبل المؤسسات الحكومية والخاصة. ويختتم حديثه بالتعبير عن سعادته بتنظيم المعرض في “بيات غاليري”، الذي يعتبره تشريفاً وتكليفاً، ويزيد من مسؤوليته لتقديم الأفضل.
فريد الريس يمثل جيلاً واعداً من الفنانين الإماراتيين الذين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة، ويقدمون أعمالاً فنية تعبر عن الهوية البصرية الغنية للإمارات. من خلال لوحاته، يدعونا الريس إلى التأمل في ماضينا، والاحتفاء بحاضرنا، والتطلع إلى مستقبل مشرق.