رؤية ثقافية مستدامة: كيف أصبحت “السركال أفنيو” نموذجاً للإبداع في دبي
تعد “السركال أفنيو” اليوم من أبرز الوجهات الثقافية في دبي، بل وفي المنطقة بأسرها. لم تكن هذه المنطقة مجرد حلم، بل رؤية طموحة تحولت إلى واقع ملموس بفضل الإصرار والعمل الدؤوب. يؤكد عبدالمنعم بن عيسى السركال، مؤسس “السركال أفنيو”، أن هذه الوجهة لم تُؤسس كحي للفنون فحسب، بل كنموذج يثبت ما يمكن للمنظومة الثقافية في دبي أن تحققه عندما تتوافر الرؤية المستدامة الداعمة للتجريب. هذا المقال يسلط الضوء على رحلة “السركال أفنيو” وكيف أصبحت مركزاً نابضاً بالحياة للإبداع، مع التركيز على أهمية الاستدامة والتعاون في بناء المشهد الثقافي.
من فضاء مادي إلى منظومة ثقافية متكاملة
بدأت قصة “السركال أفنيو” بإنشاء فضاء مادي جامع للفنانين والمؤسسات والصالات الفنية في قلب منطقة القوز الصناعية. كان الهدف الأساسي هو توفير بيئة محفزة للإبداع، بعيداً عن القيود التقليدية. لم يكن الأمر سهلاً، فمنطقة القوز لم تكن معروفة بإنتاجها الثقافي، بل كانت منطقة صناعية بحتة. هنا، برز دور الخيال والتفكير البديل في تحويل هذه المساحات إلى موطن للفنانين والمصممين ورواد الأعمال.
مع مرور الوقت، تطورت هذه الرؤية لتتجاوز حدود المكان، وتحولت “السركال أفنيو” إلى منظومة متكاملة تدعم الإنتاج الثقافي وبناء المجتمعات الإبداعية. لم يقتصر الأمر على استضافة المعارض الفنية، بل امتد ليشمل ورش العمل، والبرامج التعليمية، والمبادرات التي تهدف إلى رعاية المواهب الشابة. هذا التطور يعكس التزام “السركال أفنيو” بالاستثمار طويل الأمد في الثقافة والإبداع.
الموازنة بين الهوية المحلية والانفتاح على العالم
يؤكد عبدالمنعم السركال على أهمية الموازنة بين التجذر في الهوية المحلية والانفتاح على العالم. “السركال أفنيو” لا تسعى إلى استنساخ التجارب الثقافية العالمية، بل إلى تقديم الممارسات الثقافية المحلية ضمن سرديات المنطقة وخصوصيتها. في الوقت نفسه، ترحب الوجهة بالتعاون مع الفنانين والمؤسسات الثقافية من جميع أنحاء العالم، مما يخلق حواراً ثقافياً بناءً ومثرياً.
هذا النهج يتيح تبادلاً متوازناً بين المحلي والعالمي، وبين التقليدي والمعاصر. من خلال الحوار، لا الاستنساخ، تنجح “السركال أفنيو” في بناء فضاء ثقافي جذوره راسخة في منطقته، ومنفتح في أفقه، وقادر على التفاعل المؤثر مع الأفكار والشراكات من مختلف أنحاء العالم. هذا التفاعل يعزز الإبداع ويساهم في تطوير المشهد الثقافي في دبي والمنطقة.
شراكة “السركال أفنيو” مع ديزاين ميامي: دفعة نحو العالمية
تعد الشراكة الأخيرة بين “السركال أفنيو” ومنصة “ديزاين ميامي” خطوة مهمة نحو تعزيز مكانة دبي كوجهة عالمية للتصميم والإبداع. يؤكد السركال أن هذه الشراكة انبثقت من التقاء القيم والرؤى، لاسيما الإيمان بأهمية بناء المجتمعات الإبداعية ورعاية المصممين ذوي الرؤى.
“ديزاين ميامي” هي منصة عالمية رائدة في مجال التصميم والقطع المتفردة، ولديها خبرة تزيد على 20 عاماً في بناء شبكات واسعة من الصالات والمبدعين والمقتنين. إرساء حضور هذه المنصة في دبي يعزز حضور الإمارات والمنطقة في المشهد الثقافي العالمي، ويشكل دفعة قوية لتوسيع الممارسة الثقافية وتأثيرها. ستساهم هذه الشراكة في إثراء مشهد التصميم عبر إرساء منصة متخصصة ومستدامة، مصحوبة بمعرض سنوي وبرامج ممتدة على مدار العام.
الاستدامة والمسؤولية: أساس المنظومة الثقافية
لا ينظر عبدالمنعم السركال إلى الاستدامة كمجرد مفهوم بيئي، بل كمنهجية في إنتاج الثقافة وتداولها وضمان بقائها حية عبر الزمن. يؤكد على الالتزام ببناء منظومات ثقافية تعلي قيم المسؤولية وعمق الطرح والاستمرارية، وتتحرر من منطق المنجزات السريعة الزوال.
في ظل التطور التكنولوجي السريع، يرى السركال أن الممارسة الثقافية يجب أن تفكر ملياً في كيفية توظيف هذه الأدوات لدعم البحث والتجريب وابتكار صيغ جديدة للتعاون. الانخراط في التكنولوجيا ليس مجرد مواكبة للعصر، بل هو فرصة لتوليد قيمة ثقافية وتعزيز التفكير النقدي وتطوير نماذج أكثر استدامة للإنتاج الإبداعي. السركال أفنيو تسعى دائماً لدمج التكنولوجيا بطريقة مسؤولة وفعالة.
مستقبل واعد للإبداع في دبي
لقد تحولت رؤية السركال أفنيو من مشروع يهدف إلى تأسيس حي للإبداع والفنون إلى توسيع آفاق المشهد الثقافي في دبي والمنطقة. إن نجاح هذه التجربة يثبت أن البنى الثقافية قادرة على النشوء والتطور في سياقات غير متوقعة، شريطة توافر الرؤية الواضحة والاستثمار المستدام. الاستدامة الثقافية هي جوهر هذا النجاح، وهي التي تضمن استمرار الإبداع والابتكار في دبي.
“السركال أفنيو” ليست مجرد وجهة ثقافية، بل هي نموذج يحتذى به في بناء المجتمعات الإبداعية وتعزيز التبادل الثقافي عالمياً. من خلال التزامها بالاستدامة والمسؤولية والانفتاح على العالم، تساهم “السركال أفنيو” في ترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي للإبداع والثقافة. نتطلع إلى رؤية المزيد من المبادرات والابتكارات التي تثري المشهد الثقافي في دبي والمنطقة، وتلهم الأجيال القادمة من الفنانين والمبدعين.



