مدارس الإمارات تتخذ إجراءات لحماية صحة الطلاب من “عنق التكنولوجيا”
في خطوة تهدف إلى حماية صحة الطلاب، قررت العديد من المدارس الحكومية والخاصة في الإمارات العربية المتحدة منع استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية داخل الحافلات المدرسية. يأتي هذا القرار بعد رصد انتشار مقلق لوضعية انحناء الرقبة، المعروفة بـ “عنق التكنولوجيا”، بين الطلاب نتيجة الاستخدام المفرط وغير الصحيح لهذه الأجهزة. وتدعو المدارس أولياء الأمور إلى مراقبة أبنائهم والتعامل بجدية مع هذا الأمر، مع التأكيد على أهمية الحصول على مشورة طبية عند الحاجة.
ما هو “عنق التكنولوجيا” أو “رقبة الهاتف”؟
يحذر الأطباء من أن “عنق التكنولوجيا” أو “رقبة الهاتف” يشكل تهديدًا حقيقيًا لصحة العمود الفقري، ويمكن أن يؤدي إلى مشكلات صحية متعددة على المدى الطويل. هذا الاضطراب في الوضعية يحدث نتيجة للحمل الزائد على العمود الفقري بسبب ميلان الرأس المستمر إلى الأمام أثناء النظر إلى شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية. هذا الميلان يسبب توترًا وألمًا في عضلات الرقبة، وتشوهًا في أقراص العمود الفقري مع مرور الوقت.
انتشار “عنق التكنولوجيا” بين الطلاب: تحذيرات المدارس
تلقى أولياء الأمور رسائل تحذيرية من مدارس أبنائهم، تنبههم إلى الاستخدام المطول للهواتف والأجهزة اللوحية في وضعيات جلوس خاطئة. وقد أظهرت هذه الممارسات ظهور مؤشرات انحناء الرقبة بين الطلاب، مما قد يؤدي إلى انحناء مزمن، وآلام شديدة، وتشوهات في العمود الفقري والجسم بشكل عام إذا استمرت هذه العادات.
المدارس لم تكتفِ بالتحذير، بل نصحت بتطبيق ثماني خطوات للحد من استخدام الأجهزة الرقمية، تشمل: التخطيط المسبق للأنشطة اليومية، وتنزيل تطبيقات التحكم بالمحتوى، وإشراك الأطفال في تحديد قائمة الأنشطة التي يرغبون في القيام بها، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، والالتزام بهذه القواعد، وتقسيم وقت الاستخدام إلى فترات قصيرة، وتقييم المشاعر والمكتسبات من الاستخدام، وتحديد آليات للمحاسبة في حال عدم الالتزام.
قرار منع الهواتف في الحافلات المدرسية: تفاصيل وتبريرات
أبلغ تربويون لصحيفة “الإمارات اليوم” أن المدارس وجهت رسائل إلى الأسر تشدد على ضرورة مراقبة أطفالهم في المنزل، وتصحيح وضعية جلوسهم، وتقليل وقت استخدامهم للهواتف والأجهزة اللوحية، وتشجيعهم على ممارسة الأنشطة الحركية والرياضية. ويأتي قرار منع استخدام الهواتف داخل الحافلات المدرسية كجزء من هذه الجهود، بعد ملاحظة أن الطلاب يستغلون الوقت الذي يقضونه في الحافلة في النظر إلى الشاشات بوضعية تزيد من خطر الإصابة بـ عنق التكنولوجيا. سيتم تطبيق هذا القرار في الفصل الدراسي الثاني.
الأسباب الطبية لـ “رقبة الهاتف” وعلاقتها بنمط الحياة
يرجع الأطباء أسباب ظهور عنق التكنولوجيا إلى الإفراط في استخدام الهواتف والشاشات الذكية مع وضعية جلوس غير صحيحة. ضعف ممارسة تمارين الرقبة يلعب دورًا أيضًا في تفاقم المشكلة. هذه العوامل مجتمعة تضع تأثيرًا سلبيًا على عضلات الرقبة والعمود الفقري، مما يؤدي إلى متلازمة الألم الرقبي المرتبطة بالتكنولوجيا.
تشمل أعراض هذه المتلازمة: الصداع المتكرر، وألم في الرقبة والكتفين، وخدر أو تنميل في اليدين، وألم أسفل الظهر. ويؤكد الدكتور محمد عبدالغفار الباز، استشاري جراحة العظام في مدينة برجيل الطبية، أن عنق التكنولوجيا أصبح “داء العصر الحديث” لجيل ألفا، مشددًا على أهمية محاربة هذا المرض من خلال تقليل الاعتماد على الشاشات الذكية.
أضرار الوضعية الخاطئة وتأثيرها على الجسم
الانحناء الناتج عن الجلوس في وضعية غير صحيحة لفترات طويلة أمام الهواتف والشاشات الذكية يضع حملاً كبيرًا على العمود الفقري للرقبة، مما يؤدي إلى إجهاد العضلات، وآلام في الرقبة والكتفين، وتصلب الرقبة. الأضرار تتجاوز مجرد مشكلة بسيطة في الرقبة، حيث يؤدي الانحناء المستمر إلى تعطيل الاصطفاف الطبيعي للجسم، مما يسبب مشكلات في الظهر والكتفين والرقبة.
الدكتور أحمد بهاء موسى، استشاري جراحة العظام، يؤكد أن عنق التكنولوجيا هو اضطراب في الجهاز العضلي الهيكلي ناتج عن الاستخدام المفرط للأجهزة التكنولوجية. ويشرح أن الرقبة تحمل وزن الرأس (4-5 كيلوغرامات)، ولكن مع ميلان الرأس إلى الأمام، يتضاعف هذا الثقل ليصل إلى 20-25 كيلوغرامًا، مما قد يتسبب في مشكلات هيكلية خطيرة.
الوقاية والعلاج: نصائح الأطباء وأهمية التوعية
يوصي الأطباء بممارسة تمارين تمديد الرقبة، وفتح الكتفين، وتقوية عضلات الظهر، وحركات تصحيح الوضعية. كما ينصحون بتقليل وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتصحيح وضعية الجسم، ورفع الشاشات إلى مستوى النظر لتقليل زاوية انحناء الرقبة.
الدكتور عادل سجواني، استشاري طب الأسرة، يقترح تطبيق “قاعدة الـ 10 دقائق”، والتي تعني أخذ استراحة لمدة دقيقتين لإجراء تمارين إطالة للرقبة والجسم كل 10 دقائق استخدام للهاتف أو الآيباد. ويشدد على أن الوقاية هي الأساس، لأن الدخول في هذا المرض قد يتطلب جراحات تبديل فقرات في المستقبل.
إحصائيات مقلقة حول الاستخدام الرقمي للأطفال في الإمارات
أظهرت دراسة استقصائية أجرتها جامعة نيويورك أبوظبي، بدعم من هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة، أن 86% من الأطفال الصغار في الإمارات يستخدمون الوسائط الرقمية بانتظام، وترتفع هذه النسبة إلى 97% بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و8 سنوات. كما أظهرت إحصائيات مجلس الأمن السيبراني أن 72% من الأطفال بين 8 و12 عامًا يستخدمون الهواتف الذكية يوميًا، بينما يراجع 43% فقط من الآباء والأمهات نشاطهم الرقمي بانتظام.
أضرار جسدية ونفسية تتجاوز “عنق التكنولوجيا”
بالإضافة إلى عنق التكنولوجيا، يحذر الأطباء من أن الاستخدام المفرط للشاشات الذكية يضغط على العمود الفقري بنسبة 15-20%، مما يتسبب في آلام الظهر والرقبة. كما يزيد من معدلات الإصابة بأمراض العيون، وضعف النظر، وزيادة الوزن، واضطراب النوم، والصداع، وصعوبة التركيز، وانحناء العمود الفقري، وتوتر العضلات، والإرهاق. ولا تقتصر الأضرار على الجانب الجسدي، بل تشمل أيضًا أضرارًا نفسية مثل الانعزالية، والانطواء، وقلة التواصل الاجتماعي، وتحفيز السلوك العدواني، وانخفاض الثقة بالنفس.
ختامًا، إن اتخاذ المدارس إجراءات وقائية مثل منع استخدام الهواتف في الحافلات المدرسية، وتوعية أولياء الأمور، هو خطوة ضرورية لحماية صحة الطلاب من مخاطر عنق التكنولوجيا وغيرها من المشكلات الصحية المرتبطة بالاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية. يتطلب الأمر تضافر جهود المدارس والأسر والأطباء لضمان نمو صحي وسليم للأجيال القادمة.



