في قلب دبي، وتحديدًا في “تيرا” بمدينة إكسبو دبي، يزدهر عالمٌ مدهش يفتح أبوابه للمهتمين بالاستدامة والبيئة: عالم تربية النحل وإنتاج العسل. لم يعد هذا النشاط مقتصرًا على الخبراء، بل أصبح متاحًا للجميع من خلال دورة تدريبية فريدة، يقودها فريق متخصص وعلى رأسه “سيدة النحل” الدكتورة مريم حمال، لتشجيع المشاركة المجتمعية ودعم المخططات البيئية الطموحة التي تتبناها الإمارة. هذه المبادرة ليست مجرد دروس في تربية النحل، بل هي دعوة للانخراط في حماية التنوع البيولوجي وتعزيز العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

“تيرا” – مدينة إكسبو دبي: مركز جديد لتربية النحل والاستدامة

انطلاقًا من دورها المتنامي كمختبر حيوي للاستدامة ومنصة تفاعلية للمجتمع، أطلقت “تيرا” أول دورة تدريبية شاملة في تربية النحل للمبتدئين. تأتي هذه الخطوة متزامنة مع تدشين حديقة جين غودال للملقحات ومبادرة “100 خلية”، التي تهدف إلى إدماج ثقافة تربية النحل في مختلف المرافق التعليمية والمجتمعية، كالمدارس والحدائق العامة. هذه المبادرات تتكامل بشكل مباشر مع مخطط دبي الحضري 2040، الذي يضع الاستدامة البيئية في صميم رؤيته للمستقبل.

الدورة التدريبية لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل تركز على التجربة العملية المباشرة، حيث يرافق المشاركون خبراء في مجال تربية النحل لتعلم كيفية رعاية الخلايا، وفهم دور التلقيح الحيوي، وتقدير أهمية التنوع البيولوجي في البيئات الحضرية. بالإضافة إلى التدريب العملي، تتضمن الدورة رحلات ميدانية وجلسات حوارية تفاعلية، مصممة لتبسيط المفاهيم العلمية المعقدة وتشجيع الحوار وتبادل الخبرات.

“سيدة النحل” تكشف أسرار عالم النحل

الدكتورة مريم حمال، عالمة البيئة المعروفة بلقب “سيدة النحل”، هي المحرك الرئيسي لهذا البرنامج المبتكر. قدمت الدكتورة مريم عرضًا إعلاميًا حصريًا استعرضت فيه أسرار تربية النحل وإنتاج العسل عالي الجودة. وشددت على أهمية فهم سلوك النحل وتلبية احتياجاته لضمان إنتاج مستدام للعسل والحفاظ على صحة الخلية.

في حديث خاص لـ “الإمارات اليوم”، أوضحت الدكتورة مريم أن الدورة صممت خصيصًا للمبتدئين لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والملقحات، معتبرة إياها شريكًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن البيئي. “نركز في الدورة على الجوانب العملية والإنسانية في تربية النحل، بدءًا من علاقة الإنسان بهذا الكائن المذهل، مرورًا بدراسة بيولوجيا النحل، وصولًا إلى الوسائل الأساسية التي يحتاجها مربو النحل، وكيفية التعامل مع الأمراض والآفات التي تهدد هذه الكائنات.”

أنواع النحل وإنتاج العسل في الإمارات

أشارت الدكتورة مريم إلى وجود حوالي 20 ألف نوع من النحل حول العالم، لكن العسل يُستخرج من سبعة أنواع فقط. ومن بين هذه الأنواع السبعة، نوع واحد فقط هو المستخدم على نطاق واسع في مزارع النحل. في “تيرا”، يتم تربية نوع “أبيس ميليفيرا”، وهو نوع أصيل كان منتشرًا في الإمارات والشرق الأوسط قديمًا، لكنه تعرض للتلوث الجيني مما أدى إلى فقدان السلالات المحلية. لحسن الحظ، تم اكتشاف سلالة محلية نقية خلال بناء إكسبو دبي، وتم تبنيها للحفاظ عليها وتعزيزها.

وبخصوص أنواع العسل المنتجة في الإمارات، ذكرت الدكتورة مريم أن هناك أربعة أنواع رئيسية تختلف في اللون والرائحة والمذاق، وذلك تبعًا للزهور التي يجمع النحل منها الرحيق. ومن أبرز هذه الزهور: السمر، والسدر، والغاف، وشجرة القرم. وبينت أن عسل السمر يتميز بغناه بالحديد، بينما عسل السدر يتمتع بلون ذهبي ومذاق مخملي. أما عسل الغاف، فهو يتجمد في درجة حرارة معينة، وهو ما لا يؤثر في جودته بل يدل على نسبة الغلوكوز العالية فيه.

التحديات والمستقبل الواعد لتربية النحل في الإمارات

تحدثت الدكتورة مريم عن التحديات التي تواجه مربي النحل في الإمارات، مثل صعوبة إيجاد المواقع المناسبة لوضع خلايا النحل بسبب المناخ الجاف، وأهمية اختيار التوقيت المناسب خلال العام. وأكدت أن الفترة من أكتوبر إلى أبريل هي الأفضل لتربية النحل في المنطقة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن مستقبل تربية النحل في الإمارات يبدو واعدًا، خاصة مع تزايد الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي. كما أشارت الدكتورة مريم إلى أن المعدات الأساسية لتربية النحل بسيطة وتقليدية، مع التأكيد على أهمية استخدام التبخير لاستخلاص العسل بشكل آمن، من خلال تهدئة النحل وإحداث تأثير خفيف على حركته.

بالإضافة إلى ذلك، توجد آفة خطيرة تهدد النحل، وهي طفيل الفاروا، الذي يصعب رؤيته بالعين المجردة ويؤثر بشكل كبير في صحة النحل وإنتاجه للعسل. لذا، فإن التوعية بهذه الآفة وكيفية مكافحتها تعتبر جزءًا أساسيًا من برنامج التدريب.

ختمت الدكتورة مريم حمال بالإشارة إلى أن هذه الدورة التدريبية ستساهم في زيادة الاهتمام بعالم النحل، خاصة لدى الأطفال والشباب، الذين يمكنهم من خلالها التعرف على سلوك النحل عن قرب واكتشاف أهميته في الحفاظ على البيئة. وهذا بدوره سيشجع على تبني ممارسات مستدامة في إنتاج العسل وفي الحفاظ على التنوع البيولوجي.

شاركها.
Exit mobile version