أثار الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير جدلاً واسعاً بتصريحاته النارية التي انتقد فيها بشدة السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. هذه التصريحات، التي جاءت خلال ندوة مهمة، حذرت من خطر انحدار النظام العالمي إلى حالة من الفوضى، ووصفته بـ “وكر للصوص”. وتعد هذه الانتقادات اللاذعة، التي تستهدف حليفاً رئيسياً لألمانيا، بمثابة تحول ملحوظ في الخطاب السياسي الألماني، وتلقي الضوء على مخاوف متزايدة بشأن مستقبل النظام الدولي. السياسة الخارجية الأمريكية، كما يراها شتاينماير، تشكل تهديداً للديمقراطية العالمية.
انتقادات شتاينماير اللاذعة للسياسة الخارجية الأمريكية
لم يخف الرئيس شتاينماير انتقاده للإجراءات التي اتخذتها إدارة ترمب، والتي اعتبرها بمثابة خروج عن القيم والمبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية. ورغم أن منصبه كرئيس للجمهورية يحمل طابعاً شرفياً إلى حد كبير، إلا أن شتاينماير يتمتع بحرية أكبر في التعبير عن آرائه مقارنة بالسياسيين الآخرين، خاصةً وأنه شغل سابقاً منصب وزير الخارجية الألماني.
وفي كلمته التي ألقاها مساء الأربعاء، وصف شتاينماير ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والغزو الشامل لأوكرانيا بأنهما حدثان شكلا نقطة تحول في النظام العالمي. لكنه أضاف أن سلوك الولايات المتحدة في عهد ترمب يمثل “صدعاً تاريخياً ثانياً” بنفس القدر من الخطورة. هذا الصدع، بحسب شتاينماير، يتعلق بـ “انهيار للقيم من شريكنا الأهم، الولايات المتحدة، التي ساعدت في بناء هذا النظام العالمي”.
تأثير ترمب على النظام العالمي
ركز شتاينماير بشكل خاص على ما وصفه بتخلي الولايات المتحدة عن دورها القيادي في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد. وأشار إلى أن هذا التخلي فتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ، مما أدى إلى زيادة التوترات وعدم الاستقرار في جميع أنحاء العالم. كما حذر من خطر عودة “قانون الغاب” إلى العلاقات الدولية، حيث تسعى القوى العظمى إلى تحقيق مصالحها الخاصة دون اعتبار للقانون أو الأخلاق.
وأضاف: “الأمر يتعلق بمنع العالم من الانحدار والتحول إلى وكر للصوص، حيث يأخذ فيه الأكثر انعداماً للضمير كل ما يريدون، وحيث يتم التعامل مع مناطق أو دول بأكملها على أنها ملك لقلة من القوى العظمى”. هذا التصوير القوي يعكس قلقاً عميقاً بشأن مستقبل التعاون الدولي واحترام السيادة الوطنية.
الديمقراطية العالمية تحت التهديد
لم يقتصر انتقاد شتاينماير على السياسة الخارجية الأمريكية فحسب، بل امتد ليشمل التحديات التي تواجه الديمقراطية العالمية بشكل عام. وأشار إلى أن الديمقراطية تتعرض لهجوم كما لم يحدث من قبل، سواء من خلال التدخل الخارجي في الانتخابات أو من خلال صعود الحركات الشعبوية والقومية المتطرفة. النظام العالمي، كما يراه، يعتمد على قوة الديمقراطيات في الدفاع عن قيمها ومبادئها.
وشدد على أهمية التمسك بالقيم الديمقراطية، مثل حرية التعبير وسيادة القانون وحقوق الإنسان، باعتبارها الأساس الوحيد لبناء عالم عادل ومستقر. كما دعا إلى تعزيز التعاون الدولي بين الديمقراطيات لمواجهة التحديات المشتركة، مثل تغير المناخ والإرهاب والفقر. العلاقات الدولية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالقانون.
أمثلة على الهجمات على الديمقراطية
أشار شتاينماير إلى بعض الأمثلة الملموسة على الهجمات التي تتعرض لها الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، مثل محاولات التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، والاضطهاد الذي يتعرض له المعارضون السياسيون في العديد من البلدان، وتصاعد خطاب الكراهية والعنف ضد الأقليات. كما انتقد بشدة محاولات بعض القوى الخارجية لتقويض الديمقراطية في أوروبا من خلال دعم الأحزاب الشعبوية والقومية المتطرفة.
ورأى أن هذه الهجمات تمثل تهديداً وجودياً للديمقراطية، وأن التصدي لها يتطلب جهداً مشتركاً من جميع الديمقراطيات في العالم. السياسة الأمريكية، في هذا السياق، يجب أن تكون قوة دافعة نحو تعزيز الديمقراطية، وليس تقويضها.
تداعيات التصريحات وأهميتها
من المؤكد أن تصريحات الرئيس الألماني ستثير ردود فعل واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم. قد يرى البعض أنها انتقادات مبالغ فيها أو غير عادلة، بينما قد يرى البعض الآخر أنها تعكس قلقاً حقيقياً بشأن مستقبل النظام الدولي.
ومهما كانت ردود الفعل، فإن هذه التصريحات تمثل لحظة فارقة في الخطاب السياسي الألماني، وتلقي الضوء على التغيرات العميقة التي يشهدها العالم. كما أنها تذكرنا بأهمية التمسك بالقيم الديمقراطية والعمل من أجل بناء عالم أكثر عدلاً واستقراراً. السياسة الخارجية ليست مجرد لعبة مصالح، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسانية جمعاء.
في الختام، يمثل تحذير الرئيس شتاينماير بشأن خطر انحدار النظام العالمي إلى “وكر للصوص” دعوة عاجلة إلى التفكير وإعادة تقييم السياسات الدولية. إن مستقبل الديمقراطية العالمية يعتمد على قدرتنا على مواجهة التحديات المشتركة والعمل معاً من أجل بناء عالم أفضل للجميع. ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع الآخرين وإبداء آرائكم حول هذه القضية الهامة.


