مع بداية فصل الشتاء، يشعر الكثيرون بتراجع في الطاقة و تغيرات في المزاج. هذا الشعور ليس مجرد إحساس، بل يمكن أن يكون مرتبطًا بتغيرات فسيولوجية تحدث في الجسم نتيجة قلة التعرض لأشعة الشمس. في بعض الحالات، يتطور الأمر إلى ما يعرف بـ الاضطراب العاطفي الموسمي، وهو حالة تستدعي الاهتمام. لحسن الحظ، يمكن للتغذية السليمة أن تلعب دورًا هامًا في تخفيف هذه الأعراض وتحسين حالتك النفسية خلال هذه الفترة.
ما هو الاضطراب العاطفي الموسمي وأسبابه؟
الاضطراب العاطفي الموسمي، أو ما يُعرف بالاكتئاب الشتوي، هو نوع من الاكتئاب يرتبط بتغير الفصول، وعادة ما يبدأ في الخريف ويستمر حتى الربيع. يعزو الخبراء هذا الاضطراب بشكل كبير إلى قلة التعرض لأشعة الشمس، مما يؤدي إلى نقص في إنتاج هرمون السيروتونين، وهو ناقل عصبي حيوي ينظم المزاج والشعور بالسعادة.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي قلة الضوء إلى زيادة إنتاج هرمون الميلاتونين، المسؤول عن تنظيم النوم، مما قد يسبب الشعور بالنعاس والرغبة في العزلة. ولكن، هل يمكن للنظام الغذائي أن يساعد في مواجهة هذه التحديات؟ الإجابة هي نعم.
كيف يمكن للنظام الغذائي تحسين المزاج في الشتاء؟
على الرغم من أن النظام الغذائي ليس علاجًا شافيًا للاضطراب العاطفي الموسمي، إلا أنه يمكن أن يكون أداة قوية لدعم الصحة النفسية وتعزيز الشعور بالرفاهية. يكمن السر في اختيار الأطعمة التي تساهم في إنتاج النواقل العصبية التي تحسن المزاج، وتدعم صحة الأمعاء، وتوفر العناصر الغذائية الأساسية التي قد ينقصها الجسم في الشتاء.
البروبيوتيك وصحة الأمعاء
تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة قوية بين صحة الأمعاء والمزاج، والمعروفة بمحور “الأمعاء-الدماغ”. الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك، مثل الزبادي والكيمتشي والكفير، تساعد على دعم البكتيريا النافعة في الأمعاء. هذه البكتيريا تلعب دورًا هامًا في إنتاج النواقل العصبية مثل السيروتونين، كما أنها تساهم في تقليل الالتهابات التي قد تكون مرتبطة بالاكتئاب. لذا، إدراج هذه الأطعمة في نظامك الغذائي يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على صحتك النفسية.
فيتامين د: ضرورة شتوية
مع قلة التعرض لأشعة الشمس في فصل الشتاء، تنخفض مستويات فيتامين “د” في الجسم. يعتبر فيتامين “د” من العناصر الغذائية الأساسية لصحة المزاج، ونقصه قد يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب. الحصول على كمية كافية من فيتامين “د” من الغذاء وحده قد يكون صعبًا، ولكن يمكنك زيادة تناوله من خلال الأطعمة مثل الأسماك الدهنية (السلمون والتونة) والأطعمة المدعمة بفيتامين “د” مثل عصير البرتقال وحليب اللوز وبعض أنواع الفطر.
أحماض أوميغا-3 لصحة الدماغ
تلعب أحماض “أوميغا-3” الدهنية دورًا حيويًا في دعم صحة الدماغ وتحفيز إنتاج السيروتونين. توجد هذه الأحماض بكميات كبيرة في الأسماك الدهنية مثل السردين والماكريل، بالإضافة إلى بذور الكتان والجوز. تشير الدراسات إلى أن مكملات “أوميغا-3” قد تساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب لدى بعض الأشخاص، ولكن من الأفضل الحصول عليها من مصادرها الطبيعية.
الزعفران: بهار يعزز المزاج
على الرغم من ارتفاع سعره، يعتبر الزعفران إضافة قيمة للنظام الغذائي خلال فصل الشتاء. يحتوي هذا البهار المعروف بـ “الذهب الأحمر” على مركبات نشطة مثل الكروسين والسافرانال، والتي يعتقد أنها تؤثر في مستويات السيروتونين في الدماغ، وقد تساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط. يمكن استخدامه في تحضير الأطباق المختلفة لإضافة نكهة مميزة وفوائد صحية.
الألياف البريبيوتيكية: غذاء البكتيريا النافعة
لا تقتصر الفوائد على البروبيوتيك فقط، بل يجب أيضًا التركيز على الألياف البريبيوتيكية، التي تعتبر غذاءً للبكتيريا النافعة في الأمعاء. هذه الألياف تلعب دورًا غير مباشر في تحسين المزاج من خلال دعم صحة الأمعاء وتعزيز إنتاج النواقل العصبية. توجد البريبيوتيك في أطعمة شائعة مثل الثوم والبصل والموز والهليون والشوفان والكراث والتفاح والبقوليات وبذور الكتان.
الاضطراب العاطفي الموسمي: نهج شامل
في الختام، من المهم التأكيد على أن النظام الغذائي وحده لا يكفي لعلاج الاضطراب العاطفي الموسمي. إنه جزء أساسي من أسلوب حياة متكامل يشمل التعرض الكافي للضوء الطبيعي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وإدارة الإجهاد. إذا كنت تعاني من أعراض الاكتئاب الشتوي، فمن الضروري استشارة الطبيب أو أخصائي الصحة النفسية للحصول على التشخيص والعلاج المناسبين. تذكر أن صحتك النفسية تستحق الاهتمام والرعاية، وأن التغذية السليمة يمكن أن تكون حليفًا قويًا لك في رحلة التعافي.