في السنوات الأخيرة، شهدنا تحولاً ملحوظاً في أنماط الاستهلاك الغذائي عالمياً، وتحديداً فيما يتعلق بـ استهلاك السكر. فبعد عقود من الارتفاع المستمر، بدأت الأرقام في الانخفاض، خاصة في الدول المتقدمة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل صناعة السكر وتأثير العوامل المختلفة على هذا التغيير. هذا المقال يستعرض الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع، والتوقعات المستقبلية، والأسواق الناشئة التي قد تعوض هذا الانخفاض.
تراجع استهلاك السكر: نظرة عامة على الاتجاهات العالمية
تشير البيانات الحديثة إلى أن استهلاك السكر يشهد انخفاضاً ملحوظاً في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، بينما يتباطأ النمو العالمي بشكل عام. هذا التباطؤ ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة لتضافر عدة عوامل، أبرزها ارتفاع الضرائب على المشروبات الغازية، وزيادة الوعي الصحي، والأهم من ذلك، الانتشار المتزايد لأدوية إنقاص الوزن.
هذا الانخفاض في الطلب أدى بالفعل إلى إغلاق بعض مصانع إنتاج السكر في الولايات المتحدة وأوروبا، وتسبب في انخفاض الأسعار إلى أدنى مستوياتها في حوالي خمس سنوات. ومع تزايد شعبية أدوية إنقاص الوزن وتوفر بدائل أرخص، من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي.
بيانات منظمة السكر الدولية: أرقام دالة
وفقاً لبيانات منظمة السكر الدولية، انخفض استهلاك السكر في غرب أوروبا بنسبة 6.7% خلال العامين الماضيين، بينما شهدت الولايات المتحدة انخفاضاً بنسبة 4.4% في نفس الفترة. هذه الأرقام تعكس تحولاً حقيقياً في سلوك المستهلكين، وتؤكد على فعالية الإجراءات الحكومية والجهود التوعوية التي تهدف إلى الحد من الإفراط في تناول السكر.
دور أدوية إنقاص الوزن في خفض الطلب على السكر
أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذا التراجع هو ظهور أدوية إنقاص الوزن الجديدة، وخاصة تلك التي تنتمي إلى فئة “جي إل بي-1”. هذه الأدوية تعمل على تقليل الشهية، وخفض كمية السعرات الحرارية التي يتناولها الأشخاص، وبالتالي تقليل الرغبة في تناول الأطعمة السكرية والغنية بالدهون.
تشير التقديرات إلى أن حوالي شخص واحد من كل ثمانية بالغين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوية من فئة “جي إل بي-1″، مثل “ويغوفي”. على الرغم من أن معدل الاستخدام عالمياً لا يزال منخفضاً، إلا أنه من المتوقع أن يزداد بشكل كبير في السنوات القادمة، خاصة مع انتهاء صلاحية بعض براءات الاختراع، مما سيؤدي إلى دخول بدائل أرخص إلى الأسواق.
أسواق النمو المحتملة لأدوية إنقاص الوزن
تتوقع الخبراء أن تشهد دول مثل البرازيل والصين والهند وتركيا نمواً كبيراً في استخدام أدوية إنقاص الوزن، نظراً لارتفاع معدلات السمنة في هذه الدول. هذه الأسواق تمثل مجتمعة حوالي ربع عدد البالغين المصابين بالسمنة في العالم، مما يجعلها هدفاً رئيسياً لشركات الأدوية.
تأثير الضرائب على المشروبات الغازية وتشديد قوانين وضع الملصقات
بالإضافة إلى أدوية إنقاص الوزن، لعبت الضرائب على المشروبات الغازية المحلاة دوراً هاماً في خفض استهلاك السكر في أوروبا خلال العقد الماضي. هذه الضرائب، التي تم تطبيقها في دول مثل بريطانيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، تهدف إلى مكافحة السمنة وتشجيع المستهلكين على اختيار بدائل صحية.
كما أن تشديد قوانين وضع الملصقات الخاصة بالمعلومات الغذائية ساهم في زيادة وعي المستهلكين بمحتوى السكر في المنتجات الغذائية، مما دفعهم إلى اتخاذ قرارات أكثر صحية.
مستقبل صناعة السكر: هل ستتعافى؟
يرى إيدر فييتو، الرئيس التنفيذي لشركة «غرين بول» للتحليلات، أن النمو العالمي لاستخدام السكر من المتوقع أن يتباطأ إلى 0.5% في موسم 2026-2027، وهو ما يعتبر “الوضع الطبيعي الجديد”. هذا التباطؤ يأتي بعد سنوات عديدة من النمو المطرد، حيث شهد الاستهلاك زيادة بنحو اثنين في المائة سنوياً، وتضاعف تقريباً خلال الأعوام الخمسين الماضية.
على الرغم من انخفاض الاستهلاك في الغرب، إلا أن الطلب على السكر في آسيا وأفريقيا لا يزال يرتفع بسبب النمو السكاني. ومع ذلك، يبدو أن الارتفاع المستمر الذي شهدته صناعة السكر على مدى عقود قد توقف.
الخلاصة: تحول في أنماط الاستهلاك وتحديات مستقبلية
إن تراجع استهلاك السكر في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والتباطؤ في النمو العالمي، يشيران إلى تحول كبير في أنماط الاستهلاك الغذائي. هذا التحول مدفوع بمجموعة من العوامل، بما في ذلك ارتفاع الضرائب، وزيادة الوعي الصحي، وانتشار أدوية إنقاص الوزن.
تواجه صناعة السكر تحديات كبيرة في المستقبل، حيث يجب عليها التكيف مع هذه التغيرات من خلال تطوير منتجات جديدة، والتركيز على الأسواق الناشئة، والاستثمار في البحث والتطوير. من المهم أيضاً أن تتعاون الحكومات والشركات والمجتمع المدني لتعزيز التوعية بأهمية اتباع نظام غذائي صحي، والحد من الإفراط في تناول السكر.
هل تعتقد أن هذه الاتجاهات ستستمر؟ شاركنا رأيك في التعليقات!