تثير الدعوات المتزايدة لتعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية، خاصةً في ظل التغيرات الجيوسياسية الأخيرة والشكوك حول مستقبل التحالفات التقليدية. فقد حذرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أن احتمال حدوث قطيعة دائمة في العلاقات مع الولايات المتحدة يفرض على أوروبا الإسراع في تطوير قدراتها الدفاعية الخاصة، وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، وذلك لضمان بقائها كقوة مؤثرة في النظام الدولي.

دعوة لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية

جاءت تصريحات كالاس خلال كلمتها التي ألقتها في المؤتمر السنوي لوكالة الدفاع الأوروبية، حيث طرحت رؤية جريئة لإعادة هيكلة الأمن الأوروبي. وتشمل هذه الرؤية إنشاء قدرات دفاعية مستقلة عن الولايات المتحدة، وحتى إمكانية تأسيس جيش أوروبي موحد، يتم تمويله وملكيته من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد. هذه المقترحات تأتي في وقت يشهد فيه حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحديات داخلية وخارجية، وتزايد المخاوف بشأن التزام واشنطن بدعم الأمن الأوروبي على المدى الطويل.

تاريخ من الشكوك في الالتزام الأمريكي

أشارت كالاس إلى أن الثقة الأوروبية في الولايات المتحدة كشريك دفاعي قد تراجعت بشكل ملحوظ منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه. فقد أثار ترامب شكوكاً حول التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو، بل وذهب إلى حد التفكير في شراء جرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، وهو ما اعتبره الكثيرون استهانة بسيادة الدول الأعضاء في الحلف. هذه التصرفات دفعت إلى إعادة تقييم أوروبا لاعتمادها على واشنطن في مجال الأمن والدفاع، وبحث سبل لتعزيز قدراتها الخاصة.

الاستقلالية الدفاعية في سياق حلف الناتو

لا تدعو كالاس إلى انسحاب أوروبا من حلف الناتو، بل إلى جعله “أكثر أوروبية”. وترى أن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية يمكن أن يساهم في تقوية الحلف ككل، من خلال تقاسم الأعباء وتوفير المزيد من الموارد. واقترحت تحديد “أهداف قدرات أوروبية” للدول الـ23 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي تنتمي أيضاً إلى حلف الناتو. هذه الأهداف تتعلق بنوعية المعدات والقدرات العسكرية التي يجب أن تمتلكها كل دولة، وهي حالياً محددة بشكل فردي وسري، مما يعيق التنسيق والتكامل بين الدول الأوروبية.

بالإضافة إلى ذلك، دعت كالاس إلى تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الاتحاد الأوروبي والناتو، وهو أمر لا يتم حالياً بشكل رسمي بسبب التوترات القائمة بين قبرص وتركيا. إن تحسين هذا التبادل سيسهل على الاتحاد الأوروبي توجيه تمويله لمساعدة الدول الأعضاء على تلبية متطلبات الناتو، وسيعزز التعاون الأمني بين الجانبين. كما طالبت بتفعيل بند الدفاع المشترك الخاص بالاتحاد الأوروبي، والذي لم يتم استخدامه حتى الآن.

تحديات تواجه تحقيق الاستقلالية الدفاعية

لم تلق الدعوات إلى تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية قبولاً كاملاً من جميع الأطراف. فقد أعرب الأمين العام لحلف الناتو مارك روته عن انتقاده لهذه الدعوات، مؤكداً أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها دون دعم الولايات المتحدة. وأشار إلى أن بناء دفاع أوروبي مستقل بالكامل سيكون مكلفاً للغاية، وقد يصب في مصلحة خصوم أوروبا، وعلى رأسهم روسيا. وأضاف أن أوروبا ستفقد “المظلة النووية الأمريكية” التي توفر لها الضمان النهائي للأمن.

تكاليف باهظة ومتطلبات كبيرة

أوضح روته أن تحقيق الاستقلالية الدفاعية الأوروبية الكاملة يتطلب استثمارات ضخمة، تصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى بناء قدرات نووية خاصة. هذه المتطلبات تبدو بعيدة المنال بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية، التي تعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية. كما أن تجاوز شرط الإجماع في اتخاذ قرارات السياسة الخارجية، والانتقال إلى نظام “الأغلبية المؤهلة”، قد يواجه مقاومة من بعض الدول التي تفضل الحفاظ على سيطرتها على القرارات الأمنية.

الخلاصة: مستقبل الأمن الأوروبي

إن النقاش حول الاستقلالية الدفاعية الأوروبية يمثل تحولاً هاماً في التفكير الاستراتيجي للقارة. ففي حين أن الولايات المتحدة لا تزال حليفاً أساسياً لأوروبا، إلا أن هناك إدراكاً متزايداً بضرورة تقليل الاعتماد على واشنطن، وتعزيز القدرات الأوروبية الخاصة. سيتطلب تحقيق هذا الهدف استثمارات كبيرة، وتنسيقاً وثيقاً بين الدول الأعضاء، وإرادة سياسية قوية. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على التغلب على هذه التحديات، وبناء مستقبل أمني أكثر استقلالية.

هل تعتقد أن أوروبا قادرة على تحقيق الاستقلالية الدفاعية؟ شارك برأيك في التعليقات أدناه!

شاركها.
Exit mobile version