شهدت مدينة نيويورك بداية عهد جديد مع تولّي زهران ممداني منصب العمدة، حيث أقدم على إلغاء عدد من الأوامر التنفيذية التي أصدرها سلفه، إريك آدامز، في الفترة الأخيرة من ولايته. وتضمنت هذه القرارات المثيرة للجدل إلغاء أوامر تتعلق بفلسطين وإسرائيل، مما أثار ردود فعل متباينة على المستويين المحلي والدولي. يهدف هذا التحرك من ممداني إلى إعادة تشكيل سياسات المدينة وتعزيز التزام إدارته بالقيم التقدمية وحقوق الإنسان، وهو ما يمثل محور تركيزه في فترة ولايته.
إلغاء الأوامر التنفيذية المتعلقة بإسرائيل: ما القصة؟
أصدر العمدة الجديد زهران ممداني سلسلة من المراسيم التي ألغت أوامر سابقة لإريك آدامز، والتي كانت تهدف إلى منع وكالات المدينة وموظفيها من مقاطعة إسرائيل أو سحب الاستثمارات منها. وقد جاء هذا الإجراء بعد فترة قصيرة من توجيه اتهامات لآدامز في سبتمبر 2024، مما أثار تساؤلات حول توقيت هذه الأوامر ودوافعها. يعتبر هذا الإلغاء بمثابة تحول كبير في موقف مدينة نيويورك تجاه القضية الفلسطينية الإسرائيلية، ويدل على رغبة ممداني في تبني سياسة أكثر توازناً.
تعريف معاداة السامية وتأثيره على النقد
لم يقتصر إلغاء ممداني على الأوامر المتعلقة بالمقاطعة والاستثمار، بل شمل أيضاً إلغاء أمر آخر وقعه آدامز في يونيو الماضي. هذا الأمر اعتمد تعريفاً واسعاً لمعاداة السامية، وهو التعريف الذي يثير جدلاً واسعاً بسبب اعتباره أن بعض أشكال انتقاد إسرائيل، مثل معارضتها كدولة ذات أغلبية يهودية إثنية، تشكل معاداة للسامية. يجادل العديد من المراقبين، بمن فيهم “مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية”، بأن هذا التعريف يُستخدم لقمع الأصوات المؤيدة للفلسطينيين وتقييد حرية التعبير.
ردود الفعل على قرارات ممداني
أثارت قرارات زهران ممداني ردود فعل متباينة. فقد أشادت بها منظمات إسلامية وحقوقية، معتبرة إياها خطوة إيجابية نحو تحقيق العدالة والمساواة. في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن رفضها الشديد لهذه القرارات، واصفة إياها بأنها “تُظهر الوجه الحقيقي” لممداني وأنها “تصب الوقود على نار معاداة السامية”. وقد نشرت الوزارة بياناً على منصة “إكس” ينتقد فيه العمدة الجديد بشدة.
رد ممداني على هذه الانتقادات بتأكيد التزامه بمكافحة الكراهية وحماية المجتمع اليهودي في نيويورك. وأوضح أنه سيواصل تمويل الإجراءات الوقائية لمنع جرائم الكراهية، وأن حماية اليهود في نيويورك ستكون على رأس أولويات إدارته. هذا التصريح يهدف إلى تهدئة المخاوف التي أثارها البعض بشأن موقفه من إسرائيل ومعاداة السامية.
خلفية القرارات: اتهامات ضد آدامز وتعهدات ممداني
تأتي هذه القرارات في سياق اتهامات سابقة وجهت إلى إريك آدامز بقبول تبرعات غير قانونية للحملة الانتخابية ورحلات فاخرة من مواطنين أتراك سعوا للتأثير عليه. وقد أدت هذه الاتهامات إلى تآكل الثقة في سياسات المدينة وقدرة حكومتها على خدمة مصالح الجمهور. استغل زهران ممداني هذه الظروف خلال حملته الانتخابية، حيث تعهد بإعادة بناء الثقة في الحكومة المحلية وتعزيز الشفافية والمساءلة.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن ممداني عن إنشاء مكتب “للتواصل مع الجمهور” بهدف زيادة مشاركة المواطنين في العملية السياسية. كما أبقى على مكتب رئيس البلدية لمكافحة معاداة السامية، مما يؤكد التزامه بمكافحة جميع أشكال الكراهية والتمييز. هذه الخطوات تعكس رؤية ممداني لمدينة نيويورك أكثر انفتاحاً وتشاركية.
تعهدات ممداني الاقتصادية والاجتماعية
فاز زهران ممداني بمنصب العمدة بفضل برنامج انتخابي طموح يهدف إلى جعل نيويورك مدينة أكثر يسراً للجميع. وتشمل أبرز وعوده تجميد الإيجارات لمليون أسرة، وبناء 200 ألف وحدة سكنية بأسعار معقولة بحلول عام 2030، وتوفير رعاية أطفال مجانية شاملة، وتقديم حافلات نقل مجانية. لتمويل هذه الإصلاحات، اقترح ممداني زيادة الضرائب على أصحاب الملايين والشركات، وهو ما يتطلب موافقة حكومة ولاية نيويورك.
يمثل فوز ممداني انتصاراً للجناح اليساري من الحزب الديمقراطي، ويشير إلى تحول في الأولويات السياسية لمدينة نيويورك. فقد أثارت رسالته صدى واسعاً لدى مئات الآلاف من الناخبين، وحفزت حركة جماهيرية من المتطوعين الشباب الذين لم يشاركوا في العمل السياسي من قبل. من المتوقع أن يشهد عهد ممداني تغييرات جذرية في سياسات المدينة، خاصة في مجالات الإسكان والرعاية الصحية والنقل.
في الختام، يمثل قرار زهران ممداني إلغاء الأوامر التنفيذية السابقة خطوة جريئة ومثيرة للجدل. سيكون من المثير للاهتمام متابعة تأثير هذه القرارات على السياسة المحلية والدولية، وكيف ستنعكس على رؤية ممداني لمدينة نيويورك. زهران ممداني يواجه تحديات كبيرة في تحقيق وعوده الانتخابية، ولكن عزمه على بناء مدينة أكثر عدلاً ومساواة قد يلهم جيلاً جديداً من القادة السياسيين. تابعوا آخر التطورات حول سياسات نيويورك والعلاقات الدولية مع العمدة الجديد.
