في حدث غريب يثير التساؤلات، لوحظ ارتفاع مفاجئ في طلبات البيتزا في محيط مبنى البنتاجون، في الساعات التي سبقت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا. هذه الزيادة غير الاعتيادية أعادت إلى الأذهان ما يُعرف بـ”مؤشر البيتزا“، وهو ظاهرة مثيرة للاهتمام تستخدم للتنبؤ بالأزمات السياسية والعمليات العسكرية الكبرى. فهل يمكن لطلب البيتزا أن يكشف عن أسرار الأمن القومي؟
ما هو مؤشر البيتزا؟
مؤشر البيتزا ليس مجرد مصادفة، بل هو نمط ملحوظ اكتشفه فرانك ميكس، صاحب امتياز سلسلة “دومينوز بيتزا” في واشنطن في أوائل التسعينيات. لاحظ ميكس أن طلبات توصيل البيتزا تشهد ارتفاعًا كبيرًا في المناطق القريبة من المؤسسات الحكومية الحساسة، مثل البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية، تحديدًا خلال فترات الأزمات أو الاستعداد للعمليات العسكرية. وذهب ميكس إلى القول بأن “طلبات البيتزا أدق من الأخبار في قياس المناخ السياسي في واشنطن”.
كيف يعمل مؤشر البيتزا؟
المنطق وراء هذا المؤشر بسيط ولكنه فعال. عندما ينخرط موظفو وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات في عمل مكثف لساعات طويلة، غالبًا ما يجدون أنفسهم مضطرين للعمل حتى وقت متأخر من الليل لتخطيط وتنفيذ مهام حساسة. في هذه الظروف، تصبح البيتزا خيارًا سريعًا وسهلًا ومرضيًا لتلبية احتياجاتهم الغذائية، مما يؤدي إلى زيادة ملحوظة في الطلبات.
تاريخ من الدقة
على مر السنين، أثبت مؤشر البيتزا دقته في التنبؤ بعدة أحداث مهمة. ففي 1 أغسطس 1990، وقبل أيام قليلة من غزو العراق للكويت، شهدت وكالة الاستخبارات المركزية CIA ارتفاعًا في طلبات البيتزا بأكثر من أربعة أضعاف. ومع اقتراب موعد حرب الخليج الثانية في يناير 1991، قفزت الطلبات في البيت الأبيض إلى ستة أضعاف، وزادت في البنتاجون بأكثر من عشرة أضعاف.
لم تقتصر هذه الظاهرة على العمليات العسكرية. فقد لوحظت زيادات مماثلة خلال محاولة الانقلاب في الاتحاد السوفيتي عام 1991، وأثناء إجراءات عزل الرئيس بيل كلينتون في عام 1998، مما يشير إلى أن مؤشر البيتزا يمكن أن يكون مؤشرًا على التوتر السياسي بشكل عام. حتى أن بعض التحليلات أشارت إلى ارتفاع في الطلبات قبل الضربات الجوية الأمريكية المحتملة على إيران في العام الماضي.
الحرب الباردة وتطوير المؤشر
خلال فترة الحرب الباردة، أدركت أجهزة الاستخبارات السوفيتية قيمة هذا المؤشر، حتى أنها قامت بمراقبة تحركات سائقي توصيل البيتزا في بعض مناطق واشنطن كطريقة غير مباشرة لقياس مستوى التأهب الأمريكي. هذا يدل على مدى الجدية التي تعامل بها الاستخبارات مع هذه المعلومة.
بعد أن كشف فرانك ميكس عن هذا النمط، حاولت الحكومة الأمريكية اتخاذ تدابير مضادة، مثل توزيع أوقات طلب الوجبات أو تزويد الموظفين بوجبات جاهزة، وذلك لمنع تسرب أي معلومات قد تشير إلى خطط سرية. ومع ذلك، يبدو أن هذه التدابير لم تكن كافية لمنع الزيادات في الطلبات خلال فترات الأزمات.
هل مؤشر البيتزا لا يزال صالحًا؟
بعد بعض الأحداث الرئيسية مثل عملية اغتيال أسامة بن لادن في عام 2011، انخفضت معدلات الطلب الملحوظة، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان مؤشر البيتزا قد أصبح شيئًا من الماضي. قد يرجع هذا إلى تحسن الإجراءات الأمنية أو اعتماد طرق أكثر سرية للحصول على الطعام خلال العمليات الحساسة. لكن، يبدو أن الأزمات التي تتطلب مشاركة عدد كبير من الموظفين تجعل الطلبات الجماعية أمرًا لا مفر منه.
الأحدث من ذلك، ارتفعت طلبات بيتزا “بابا جونز” قرب البنتاجون بنسبة 1250% في مساء الأحد، بالتزامن مع عودة الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض وتهديداته لكل من كولومبيا والمكسيك وإيران. وخلال الليلة التي تزامنت مع الأحداث في فنزويلا، شهدت الطلبات زيادة بنسبة 700%. والأكثر إثارة للاهتمام، أن البيانات الحالية تشير إلى استمرار ارتفاع الطلبات حتى مساء الأحد.
مؤشر البيتزا والأمن القومي
يُعتبر مؤشر البيتزا مثالًا كلاسيكيًا على العلاقة المعقدة بين الأمن وسلاسل الإمداد في حروب الاستخبارات. فهو يوضح كيف أن أبسط الأشياء، مثل طلب البيتزا، يمكن أن تكشف عن معلومات قيمة حول الأنشطة الحكومية السرية. تحليل البيانات المتعلقة بطلبات الطعام يمكن أن يكون أداة مفيدة لفهم التغيرات في المناخ السياسي والاستعداد للأحداث المحتملة. بالإضافة إلى ذلك، الأزمات الدولية غالبًا ما تتطلب جهدًا استثنائيًا من قبل العاملين الحكوميين، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على خدمات التوصيل.
في النهاية، مؤشر البيتزا هو تذكير بأن الأمن القومي لا يتعلق فقط بالأسلحة والتكنولوجيا، بل يتعلق أيضًا بفهم السلوك البشري والأنماط التي يمكن أن تكشف عن معلومات مهمة. وبينما قد لا يكون هذا المؤشر دقيقًا بنسبة 100%، إلا أنه يظل أداة مثيرة للاهتمام ومفيدة في عالم الاستخبارات المعقد.
