مع الانتشار الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في حياتنا اليومية، بدأت تظهر تساؤلات حول تأثير هذه التقنية على صحتنا النفسية. كشفت دراسة أمريكية واسعة النطاق عن وجود ارتباط، وإن كان طفيفًا، بين استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وزيادة أعراض الاكتئاب لدى البالغين في الولايات المتحدة. هذه النتائج، التي نشرت في دورية JAMA Network Open المرموقة، تثير نقاشًا مهمًا حول العلاقة المعقدة بين التكنولوجيا ورفاهيتنا العقلية.
نتائج الدراسة: نظرة على الارتباط بين الذكاء الاصطناعي والاكتئاب
اعتمدت الدراسة على بيانات تم جمعها من خلال مسح إلكتروني شمل أكثر من 20 ألف بالغ من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وذلك خلال الفترة من أبريل إلى مايو 2025. وأظهرت البيانات أن حوالي 10.3% من المشاركين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل يومي، مع استخدام 5.3% منهم لهذه الأدوات عدة مرات في اليوم. الاستخدام اليومي كان أكثر شيوعًا بين فئات معينة، مثل الرجال، الشباب، والأفراد ذوي المستويات التعليمية والدخل الأعلى، بالإضافة إلى سكان المناطق الحضرية.
أظهرت التحاليل أن الاستخدام اليومي أو المتكرر للذكاء الاصطناعي مرتبط بزيادة في درجات الاكتئاب مقارنة بأولئك الذين لا يستخدمونه. وبشكل أكثر تحديدًا، زادت احتمالية الإبلاغ عن أعراض اكتئاب متوسطة أو شديدة بنسبة تقدر بـ 30% بين المستخدمين اليوميين. على الرغم من أن هذه الزيادة وصفت بأنها “متواضعة” من حيث الحجم، إلا أن الباحثين أكدوا على أهميتها الإحصائية على مستوى السكان.
تأثير الذكاء الاصطناعي على القلق والتهيج
لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على أعراض الاكتئاب فحسب، بل ظهرت أنماط مشابهة، وإن كانت أقل وضوحًا، فيما يتعلق بأعراض القلق والتهيج. ومع ذلك، كان اللافت للنظر أن هذا الارتباط لم يكن متساوياً عبر جميع الفئات العمرية. فقد كان الارتباط أقوى بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 44 عامًا، وأيضًا بين الفئة العمرية من 45 إلى 64 عامًا. بالمقابل، لم يظهر أي ارتباط معنوي بين استخدام الذكاء الاصطناعي وأعراض الاكتئاب أو القلق لدى الشباب (أقل من 25 عامًا) أو كبار السن (أكثر من 65 عامًا).
من الجدير بالذكر أن الدراسة لم تسجل أي اختلافات كبيرة بين الرجال والنساء في طبيعة العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وأعراض الاكتئاب.
الاستخدام الشخصي مقابل الاستخدام المهني للذكاء الاصطناعي
عندما قام الباحثون بتحليل نوعية الاستخدام، وجدوا أن الاستخدام الشخصي للذكاء الاصطناعي كان الأكثر ارتباطًا بزيادة الأعراض الاكتئابية. بمعنى آخر، الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض الترفيه أو التواصل الاجتماعي أو المساعدة الشخصية كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن أعراض الاكتئاب مقارنة بأولئك الذين يستخدمونه لأغراض العمل أو الدراسة. تشير هذه النتيجة إلى أن السياق الذي يتم فيه استخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون عاملاً حاسمًا في فهم تأثيراته النفسية المحتملة.
استبعاد العوامل الأخرى: هل الذكاء الاصطناعي هو السبب؟
حاول الباحثون استبعاد فرضية أن تكون النتائج مجرد انعكاس للاستخدام المكثف للإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام. وقد أظهرت التحاليل الإحصائية أنه لا يوجد ارتباط كبير بين كثافة استخدام الذكاء الاصطناعي وكثافة استخدام منصات التواصل الاجتماعي أو النشر عليها. كما أن إدخال هذه العوامل في النماذج التحليلية لم يغير من النتائج الأساسية للدراسة، مما يعزز فكرة أن الذكاء الاصطناعي قد يكون له تأثير مستقل على الصحة النفسية.
تفسير النتائج: نحو فهم أعمق
يؤكد الباحثون على أن طبيعة الدراسة المقطعية لا تسمح بالجزم بوجود علاقة سببية. فمن غير الواضح ما إذا كان الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي يساهم في زيادة أعراض الاكتئاب، أم أن الأشخاص الذين يعانون بالفعل من هذه الأعراض يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي بوتيرة أعلى كآلية للتكيف، أو أن هناك عوامل أخرى غير مقاسة تلعب دورًا في هذا الارتباط.
تضع الدراسة نتائجها في سياق أوسع يشبه إلى حد كبير الجدل الدائر منذ سنوات حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية. فالبيانات تشير إلى وجود تأثيرات محتملة تختلف باختلاف شدة الاستخدام والسياق والفئات السكانية، مع بقاء حجم التأثير محدودًا نسبيًا على المستوى الفردي، ولكنه قد يكون مهمًا عند النظر إليه على نطاق مجتمعي واسع.
الخطوات التالية: الحاجة إلى مزيد من البحث
يرى الباحثون أن الانتشار المتسارع لـ الذكاء الاصطناعي التوليدي يستدعي إجراء المزيد من الدراسات المتعمقة لتداعياته النفسية، خاصة من خلال دراسات طولية وتجارب عشوائية يمكنها اختبار العلاقة السببية بشكل أكثر دقة. كما يدعون إلى أن تتضمن أي دراسات مستقبلية تقيم فوائد الذكاء الاصطناعي الإنتاجية أو التعليمية، قياسات موازية للصحة النفسية، لضمان فهم أكثر توازناً لتأثير هذه التكنولوجيا على حياة المستخدمين. من الضروري مواصلة البحث لفهم هذه العلاقة بشكل كامل وتطوير استراتيجيات لتعزيز الصحة النفسية في عصر الذكاء الاصطناعي.


