مع اقتراب نهاية مهلة وقف إطلاق النار في شمال سوريا، تشهد المنطقة حالة من التوتر والترقب، حيث تتمركز قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” على طول خطوط التماس. هذا التطور يأتي في ظل جهود إقليمية ودولية مكثفة لتجنب تصعيد جديد في المنطقة، وتأمين مستقبل المناطق الكردية في إطار المؤسسات الحكومية السورية. الوضع الحالي يثير مخاوف بشأن مصير المدنيين، وخاصةً في مخيم الهول الذي يضم عائلات عناصر تنظيم “داعش”، بالإضافة إلى التحديات الإنسانية المتزايدة في حلب والرقة ودير الزور. هذا المقال يسلط الضوء على آخر المستجدات في شمال سوريا، والجهود المبذولة لتخفيف الأزمة، والتحديات التي لا تزال قائمة.
الوضع الميداني مع اقتراب انتهاء المهلة
أفادت وكالة رويترز بأن قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” عززت مواقعها في شمال البلاد، استعدادًا لأي تطورات محتملة بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار مساء السبت. وذكرت مصادر أمنية كردية أن “قسد” قامت بتعزيز دفاعاتها في مدن القامشلي والحسكة وكوباني (عين العرب)، تحسبًا لمعارك محتملة. في الوقت نفسه، نفى مصدر في الخارجية السورية، في تصريح لـ”الشرق”، أي معلومات حول تمديد المهلة، مؤكدًا على انتهاء الفترة الزمنية المحددة في اتفاق 18 يناير، والذي يسمح بانسحاب عناصر “قسد” إلى المناطق المحددة.
خلال الأسبوعين الماضيين، سيطرت القوات الحكومية السورية على مساحات واسعة من الأراضي في شمال وشرق سوريا كانت تحت سيطرة “قسد”، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في خريطة السيطرة النفوذ في المنطقة. هذا التقدم يهدف إلى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، ودمج المؤسسات الكردية في إطار المؤسسات الحكومية.
مطالب واشنطن وباريس وتأثيرها على الأزمة
وسط هذا التوتر، حثت الولايات المتحدة وفرنسا الرئيس السوري أحمد الشرع على عدم إرسال المزيد من القوات الحكومية إلى المناطق المتبقية تحت سيطرة الأكراد. وتخشى كل من واشنطن وباريس من أن يؤدي أي تحرك عسكري إضافي إلى تجدد القتال بين القوات الحكومية و”قسد”، مما قد يعرض الاستقرار الإقليمي للخطر. هذه المطالبات تعكس قلقًا دوليًا متزايدًا بشأن مستقبل شمال سوريا، وجهودًا لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية.
نقل مقاتلي “داعش” وتحديات العراق
بالتزامن مع التطورات الميدانية، يواصل الجيش الأمريكي مهمة نقل المئات من مقاتلي تنظيم “داعش” المحتجزين في السجون السورية عبر الحدود إلى العراق. وقد أعرب العراق عن قلقه بشأن تحمل “الأعباء الأمنية والمالية” المرتبطة بهذا النقل، حيث أبلغ وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن العراق لا ينبغي أن يتحمل هذه المسؤولية بمفرده. هذا الأمر يمثل تحديًا إضافيًا للجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ويتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق.
تأمين مخيم الهول والأوضاع الإنسانية المتردية
تولي قوات الأمن السورية اهتمامًا خاصًا بتأمين مخيم الهول في محافظة الحسكة، الذي يأوي عائلات عناصر تنظيم “داعش”. وتواصل وحدات وزارة الداخلية انتشارها في محيط المخيم ومداخله، على الرغم من الظروف الجوية القاسية والعاصفة الثلجية التي تشهدها المنطقة. وقد تمكنت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة من الوصول إلى المخيم وتقديم الإمدادات الأساسية للسكان، بالتعاون مع مسؤولين من الحكومة السورية.
في مدينة كوباني بمحافظة حلب، أعرب مكتب الأمم المتحدة عن قلقه بشأن تدهور الوضع الإنساني، مشيرًا إلى أن جميع الطرق المؤدية إلى المدينة مغلقة حاليًا. وتعاني المنطقة من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي والمياه والإنترنت، مما يعيق وصول السكان إلى الخدمات الأساسية. وتواصل الأمم المتحدة وشركاؤها تقديم المساعدات الإنسانية في محافظات حلب والرقة والحسكة ودير الزور، مع التركيز على توفير الإمدادات الطبية والتغذية والرعاية للجرحى والأطفال والنساء الحوامل.
وفيات بسبب البرد في كوباني
أفادت تقارير بأن أربعة أطفال توفوا في مدينة كوباني نتيجة البرد الشديد، في أعقاب العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة. هذا الحادث المأساوي يسلط الضوء على الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها السكان في شمال سوريا، والحاجة الماسة إلى تقديم المساعدة العاجلة.
إعادة تفعيل المجالس المحلية والجهود الحكومية
وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني، أعلن عن بدء إعادة تفعيل الوحدات الإدارية والمجالس المحلية في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، واصفًا إياها بأنها “الركيزة الأساسية للخدمات”. وأكد الوزير على عدم هدم أي عمل إداري سابق، بل استكمال ما تم إنجازه مع تطوير الجوانب الإيجابية ومعالجة السلبيات. كما أشار إلى أنه سيتم قريبًا تكليف محافظ للحسكة، وإطلاق العمل لكامل مؤسسات الدولة في المحافظة. هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز الحكم المحلي، وتحسين تقديم الخدمات للسكان، وتحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة.
وفي ختام هذه التطورات، يبقى مستقبل شمال سوريا معلقًا على نتائج المفاوضات الجارية، والالتزام بوقف إطلاق النار، والتعاون الدولي لتخفيف الأزمة الإنسانية. إن تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة يتطلب حلولًا سياسية شاملة، تلبي تطلعات جميع المكونات السورية، وتضمن حقوقهم وحرياتهم. الوضع في سوريا يتطلب متابعة دقيقة وجهودًا متواصلة لضمان سلامة وأمن المدنيين، وتجنب المزيد من التصعيد والعنف. الوضع الإنساني يتدهور بسرعة، ومخيم الهول يمثل تحديًا أمنيًا وإنسانيًا كبيرًا، والجيش السوري وقسد يواجهان مستقبلًا غير واضح.


