تثير تقارير حديثة قلقاً بالغاً بشأن مستقبل الوصول إلى الإنترنت في إيران، حيث كشفت منظمة Filterwatch، المتخصصة في مراقبة الرقابة على الإنترنت، عن خطط طهران لفصل دائم للإنترنت عن الشبكة العالمية. هذه الخطوة، التي تهدف إلى تعزيز السيطرة الحكومية على المعلومات، قد تؤدي إلى تقييد الوصول إلى الإنترنت الدولي على الأفراد الذين يجتازون فحوصات أمنية صارمة وموافقات رسمية، بينما يقتصر بقية السكان على استخدام الإنترنت الوطني الإيراني المحدود. هذا التطور يمثل تصعيداً كبيراً في جهود الرقابة التي تمارسها السلطات الإيرانية، ويثير تساؤلات حول حرية التعبير والحقوق الرقمية للمواطنين.
خطة “الإنترنت المتميز” في إيران: تفاصيل وتداعيات
وفقاً لمصادر داخل إيران نقلتها منظمة Filterwatch، فإن الخطة الحالية تركز على تحويل الوصول إلى الإنترنت الدولي إلى ما يُوصف بـ “امتياز حكومي”. هذا يعني أن الحكومة ستتحكم بشكل كامل فيمن يمكنه الوصول إلى الإنترنت العالمي، ومن سيقتصر على الإنترنت الوطني. وقد صرح مسؤولون حكوميون وإعلاميون بأن هذا التحول سيكون دائماً، محذرين من أن الوصول غير المقيد إلى الإنترنت “لن يعود بعد عام 2026”.
آلية الوصول المقيد
سيتمكن الإيرانيون الحاصلون على تصاريح أمنية أو الذين يجتازون فحوصات حكومية من الوصول إلى نسخة مقيدة من الإنترنت العالمي. بينما سيقتصر بقية السكان على الإنترنت الوطني، وهو شبكة داخلية معزولة عن العالم الخارجي. هذا النظام يذكر بممارسة “القائمة البيضاء” التي تهدف إلى السماح لعدد قليل بالوصول إلى المعلومات بينما يتم حجبها عن الأغلبية. الرقابة على الإنترنت في إيران ليست جديدة، ولكن هذه الخطة تمثل تحولاً جذرياً نحو العزلة الرقمية.
الانقطاع الحالي للإنترنت: مقدمة للخطة الأوسع
بدأ الانقطاع الحالي للإنترنت في إيران في 8 يناير، بعد فترة وجيزة من الاحتجاجات المتصاعدة ضد النظام. وقد أعلنت الحكومة أن الإنترنت الدولي سيظل مغلقاً على الأقل حتى عيد نوروز في 20 مارس. هذا الانقطاع ليس مجرد رد فعل على الاحتجاجات، بل هو جزء من جهود مستمرة بدأت منذ عام 2009 لترسيخ سيطرة النظام على الفضاء الرقمي.
مخاوف دولية وتأثيرات محتملة
يعتبر العديد من الخبراء أن خطة إيران لفصل الإنترنت عن العالم الخارجي أمر “ممكن ومخيف”، على الرغم من التكاليف الباهظة التي قد تنجم عنها. فمن شأن هذا الإجراء أن يكون له تأثير اقتصادي وثقافي هائل، وقد يبالغ النظام في تقدير قدرته على تنفيذه بنجاح. الوصول المحدود إلى المعلومات يمكن أن يعيق التنمية الاقتصادية ويؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية.
تكنولوجيا الرقابة: “القائمة البيضاء” والمعدات الصينية
تعتمد خطة الرقابة على نظام متطور لتصفية حركة الإنترنت، يعتمد على تقنية “القائمة البيضاء”. ويشمل ذلك أجهزة تُركب على كابلات الشبكة لمراقبة وتحليل حركة البيانات، مما يسمح للسلطات بفحص الاتصالات وحظر المواقع والبروتوكولات، بما في ذلك الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN). وتشير التقارير إلى أن هذه التكنولوجيا تم تمكينها باستخدام معدات تم الحصول عليها من الصين. هذا التعاون يثير تساؤلات حول دور الصين في دعم جهود الرقابة في إيران.
تاريخ الإنترنت الوطني الإيراني
بدأت إيران العمل على تطوير الإنترنت الوطني في عام 2009، بعد إغلاق الإنترنت مؤقتاً خلال احتجاجات الانتخابات الرئاسية. أدركت الحكومة أن الانقطاع الكامل للإنترنت يحمل تكاليف باهظة، لذلك بدأت في التخطيط لشبكة داخلية منفصلة. في عام 2012، تم تأسيس المجلس الأعلى للفضاء السيبراني للإشراف على هذا المشروع. على مر السنين، استخدمت السلطات سياسة “العصا والجزرة” لإجبار الشركات على نقل البنية التحتية الرئيسية داخل البلاد، مما عزز من سيطرتها على الإنترنت.
الإنترنت الوطني: بديل أم سجن رقمي؟
الإنترنت الوطني الإيراني يتيح للمواطنين الوصول إلى مجموعة محدودة من المواقع والتطبيقات المصممة من قبل النظام، بما في ذلك خدمات المراسلة ومحركات البحث وتطبيقات الملاحة وخدمات بث الفيديو. ومع ذلك، يخضع هذا الإنترنت لمراقبة صارمة ولا يرتبط بالشبكة العالمية. في حين أن الإنترنت الوطني قد يوفر بديلاً للوصول إلى المعلومات، إلا أنه يمثل أيضاً شكلاً من أشكال الرقابة والسيطرة على المحتوى. الوصول إلى الإنترنت الوطني متاح فقط داخل إيران، مما يجعله غير مفيد للمستخدمين في الخارج.
مستقبل الإنترنت في إيران: تحديات وفرص
إن خطة إيران لفصل الإنترنت عن العالم الخارجي تمثل تحدياً كبيراً لحرية التعبير والحقوق الرقمية للمواطنين. ومع ذلك، هناك أيضاً فرص للمعارضة الإيرانية والمجتمع الدولي للضغط على الحكومة للتراجع عن هذه الخطة. قد تشمل هذه الجهود فرض عقوبات على الشركات التي تساعد إيران في تطوير البنية التحتية للرقابة، وتقديم الدعم التقني للمواطنين الإيرانيين للوصول إلى الإنترنت بشكل آمن، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها الحكومة. مستقبل الإنترنت في إيران غير مؤكد، لكن من الواضح أن الصراع على السيطرة على المعلومات سيستمر.
الوضع الحالي يثير قلقاً بالغاً بشأن مستقبل الاتصال بالعالم بالنسبة للشعب الإيراني. فهل ستنجح إيران في تنفيذ خطتها لعزل الإنترنت، أم أن الضغوط الداخلية والخارجية ستجبرها على التراجع؟ هذا السؤال سيحدد إلى حد كبير مستقبل الحرية والديمقراطية في إيران.
