تعود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مجدداً، مع انطلاق جولة جديدة تستضيفها سلطنة عُمان، في محاولة لتهدئة التوترات المتصاعدة في المنطقة. ومن المتوقع أن تشهد هذه الجولة لقاءً مباشراً بين وفدي البلدين، في ظل مناخ إقليمي شديد التعقيد، وتلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب باللجوء إلى عمل عسكري. هذه الجولة التفاوضية تحمل في طياتها تحديات كبيرة، وتثير تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى حلول مستدامة للأزمات المتراكمة.
الملف النووي الإيراني: نقطة البداية والخلافات الجوهرية
انطلقت المفاوضات، الجمعة، من بوابة ملف طهران النووي، الذي لطالما كان محوراً رئيسياً للنزاع بين الجانبين. بدأت إيران برنامجها النووي بدعم غربي في عهد الشاه خلال خمسينيات القرن الماضي، كجزء من برنامج “الذرة من أجل السلام” الأميركي. لكن البرنامج توقف بعد الثورة الإسلامية عام 1979، ثم استؤنف تدريجياً خلال تسعينيات القرن الماضي. ومع مطلع الألفية الثالثة، تصاعدت المخاوف الدولية بشأن طبيعة البرنامج، ما أدى إلى فرض عقوبات دولية مشددة.
في عام 2015، تم التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة بالاتفاق النووي، والتي قيّدت الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف العقوبات. لكن الرئيس ترمب أعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018، وأعاد فرض عقوبات خانقة، معتبراً أن الاتفاق لا يعالج قضايا البرنامج الصاروخي الإيراني والدور الإقليمي لطهران. ردت طهران تدريجياً بتجاوز التزاماتها، ورفعت نسب التخصيب إلى مستويات مقلقة، ما أثار مخاوف من قربها من امتلاك سلاح نووي.
عودة ترمب والتهديد بالتصعيد
بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025، هدّد بالتصعيد العسكري تجاه طهران إذا لم توافق على إبرام اتفاق نووي جديد. وفشلت عدة جولات من المحادثات في التوصل إلى اتفاق، بينما أصرت إيران على سلمية برنامجها النووي. وفي يونيو الماضي، تعرضت منشآت إيران النووية لضربات أميركية – إسرائيلية، استهدفت بنى تحتية حساسة، لكن البرنامج لم يُدمَّر بالكامل.
البرنامج الصاروخي الإيراني: قضية خلافية مستمرة
يشكل البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات. بدأ البرنامج خلال الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، بهدف بناء قدرات ردع. وشهد البرنامج تطوراً ملحوظاً على مدى العقود اللاحقة، ليشمل منظومة واسعة من الصواريخ، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وتعتبر هذه الترسانة ركناً مركزياً في العقيدة الدفاعية الإيرانية.
تصر واشنطن، بدعم من إسرائيل، على إدراج هذا الملف ضمن أي اتفاق مستقبلي، معتبرة أن القدرات الصاروخية الإيرانية تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة. في المقابل، ترفض طهران إدراج هذا الملف في جدول المفاوضات، مؤكدة أنه شأن سيادي غير قابل للتفاوض، وأنه عنصر دفاعي أساسي.
أذرع إيران في المنطقة: شبكة النفوذ الإقليمي
تبنت إيران سياسة توسيع نفوذها خارج حدودها، من خلال بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين. امتد هذا النفوذ إلى عدة ساحات رئيسية، بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين. مكّنت هذه الشبكة إيران من امتلاك أوراق ضغط متعددة، لكنها اتُّهمت بالتورط في تعقيد الأزمات الإقليمية وزعزعة الاستقرار.
ورغم تعرض شبكة الوكلاء الإقليميين لضربات قاسية في الفترة الأخيرة، إلا أنها لا تزال قائمة، وإن بقدرات أضعف. وهذا يجعل ملف الوكلاء حاضراً بقوة في أي مفاوضات مستقبلية. المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تتطلب حلاً شاملاً لمعالجة جميع هذه القضايا المتشابكة.
هل يمكن احتواء جميع القضايا الخلافية؟
السؤال المطروح الآن هو: هل ستتمكن هذه الجولة التفاوضية من احتواء جميع هذه القضايا الخلافية، أم ستقتصر على معالجة أحدها دون سواها؟ يبدو أن التحديات كبيرة، والمواقف متصلبة من الجانبين. التفاوض يتطلب تنازلات من كلا الطرفين، وهو أمر قد يكون صعباً في ظل المناخ السياسي الحالي. الوضع الإقليمي المعقد يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول مستدامة.
في الختام، تعود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة في وقت حرج، وتواجه تحديات كبيرة. النجاح في هذه المفاوضات يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة، ورغبة حقيقية في التوصل إلى حلول تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة. نأمل أن تتمكن سلطنة عُمان، بصفتها وسيطاً، من لعب دور فعال في تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر بين الجانبين.



