في غزة، تتجاوز مأساة الحرب حدود القصف والتدمير، لتطال الأجيال القادمة. فالمعاناة لا تبدأ مع بعض الأطفال بعد الولادة، بل قبلها… في رحم أم تحاصرها الحرب والجوع معاً. هذا الواقع المأساوي يتجسد في ملامح الرضع داخل حضانات مجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة، حيث يصارع البعض من أجل التنفس، بينما وُلد آخرون بتشوهات خلقية مدمرة، نتيجة مباشرة لتداعيات الحرب المستمرة.
مواليد الحرب في غزة: قصة معاناة بدأت قبل الولادة
تُظهر شهادات الأمهات في غزة حجم المأساة التي يعشنها. آمال القرا، أم لطفل يعاني من ضيق شديد في التنفس، تلخص هذا الواقع المؤلم: “ولدت ابني في الحرب، من النار والدخان ابني مرض، انظر ما صار له، أسبوع وأنا أجري به، ولا يتحرك ولا يصير له شيء… حملت فيه أثناء المجاعة، لم نكن نجد الأكل، وجاء بعد شوق وعطش، بعد عشر سنوات بدون إنجاب، وجاء بعد ثلاث بنات، وحالياً أجر فيه. كل هذا بسبب الدخان، وهذا كله من الحرب… ابني لا يستطيع التنفس”. هذه الكلمات ليست مجرد قصة فردية، بل هي صدى لمعاناة آلاف الأمهات الحوامل في غزة.
الحمل في ظل ظروف غير إنسانية، مع المجاعة ونقص الرعاية الطبية، وانعدام الغذاء الصحي، يترك آثاراً كارثية على الأجنة. هذا الوضع يفاقمه استمرار القيود المفروضة على إدخال الغذاء والمساعدات الطبية الضرورية إلى القطاع.
ارتفاع مقلق في التشوهات الخلقية والولادات المبكرة
تؤكد الإحصائيات الرسمية مدى خطورة الوضع. مدير قسم المعلومات بوزارة الصحة في قطاع غزة، زاهر الوحيدي، صرح بأن القطاع شهد خلال عام 2025 نحو 49 ألف حالة ولادة، من بينها 315 طفلاً مصاباً بتشوهات خلقية شملت القلب، والمثانة، وأعضاء أخرى. بالإضافة إلى ذلك، سجلت الوزارة قرابة 5 آلاف مولود بأوزان غير طبيعية، و4 آلاف حالة ولادة مبكرة، وأكثر من 6 آلاف حالة وفاة داخل الرحم، وحوالي 5 آلاف حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل.
الوضع أكثر إثارة للقلق عندما نعلم أن 450 طفلاً توفوا خلال الأسبوع الأول بعد الولادة نتيجة أمراض ومضاعفات صحية مختلفة. مواليد غزة يعانون من ارتفاع في نسبة التشوهات الخلقية والولادات المبكرة تجاوزت 60% مقارنة بالسنوات التي سبقت الحرب، وخاصة عام 2022. هذا الارتفاع الشديد يشير إلى تأثير مباشر وكبير للحرب على صحة الأمهات والأطفال.
التغذية السيئة والتلوث: عوامل تزيد من المخاطر
في أقسام الولادة والحضانات، يوضح الأطباء أن الحرب الإسرائيلية ألحقت أضراراً جسيمة بالنظام الصحي، وحرمت النساء الحوامل من المتابعة الطبية المنتظمة، مما أثر بشكل مباشر على تغذيتهن. أسعد النواجحة، رئيس قسم حضانة الأطفال في مجمع ناصر الطبي، يؤكد أن ازدياد حالات التشوهات الخلقية كان ملحوظاً طوال فترة الحرب، مشيراً إلى أن الأسباب متعددة، بين عوامل وراثية وبيئية وغذائية.
ويضيف النواجحة: “هناك أسباب غذائية، مثل نقص المواد الغذائية التي تؤدي إلى ظهور هذه التشوهات الخلقية. وأخص بالذكر حمض الفوليك، وهو عامل مهم في تكون الجهاز العصبي عند الأطفال”. كما أن العديد من الأطفال يولدون بأوزان منخفضة تقل عن كيلوجرامين، نتيجة سوء تغذية الأمهات، خاصة في الشهور الأولى من الحمل. نقص الغذاء والمكملات الأساسية، وعلى رأسها الحديد، يعيق النمو الطبيعي للجنين، وخاصة الجهاز العصبي.
أنواع التشوهات الخلقية المسجلة
تشمل الحالات المسجلة تشوهات في القلب والجهاز الهضمي، وأوراماً خلقية، وعيوباً في نمو الدماغ، وأطفالاً يولدون دون فتحة شرج أو بأمعاء غير متصلة. يحذر الأطباء من أن بعض هذه الحالات قد يلازم الطفل مدى الحياة، أو قد تؤدي إلى الوفاة.
بالإضافة إلى سوء التغذية، يلعب التلوث دوراً كبيراً في زيادة مخاطر التشوهات خلال الحمل. الدخان الناتج عن القصف الإسرائيلي وحرق الحطب، إلى جانب المياه الملوثة، كلها عوامل تزيد من هذه المخاطر، خاصة بين الأسبوعين 30 و36 من الحمل.
المجاعة في غزة: تهديد متزايد لصحة الأمهات والأطفال
في أغسطس 2025، أعلنت الأمم المتحدة رسمياً حالة المجاعة في غزة، مشيرة إلى أن نحو نصف مليون شخص يعانون نقصاً حاداً في الغذاء. هذا الوضع يفاقم من معاناة الأمهات الحوامل والأطفال حديثي الولادة، ويزيد من خطر ظهور التشوهات الخلقية والوفيات.
مع استمرار الحرب، يخشى الأطباء من أن تتحول حضانات الأطفال إلى شاهد دائم على ولادات في غزة مثقلة بأعباء لم يختَرها أصحابها. إن إنقاذ أطفال غزة يتطلب توفير الرعاية الصحية العاجلة، وضمان وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية بشكل كامل ودائم، ووقف الحرب التي تهدد مستقبل جيل كامل.
اقرأ أيضاً: اليونيسف: إسرائيل تحرم أطفال غزة من الحليب والتطعيم
اقرأ أيضاً: إسرائيل.. زعيم حزب معارض يتهم الجيش بـ”قتل أطفال غزة كهواية”
