أثار قرار وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، بدء إجراءات لخفض رتبة السيناتور الديمقراطي مارك كيلي وتقليص معاشه التقاعدي جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية. يأتي هذا الإجراء على خلفية مقطع فيديو نشره كيلي، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأمريكية، دعا فيه أفراد الجيش إلى “رفض الأوامر غير القانونية”، وهو ما اعتبره البنتاجون تجاوزاً خطيراً يقوض النظام العسكري. هذا الحدث يمثل تصعيداً في التوترات الدائرة بين بعض المشرعين والإدارة العسكرية، ويطرح تساؤلات حول حدود حرية التعبير للموظفين العسكريين المتقاعدين وحقوقهم في انتقاد السياسات الحكومية.
خلفية القضية: دعوة لرفض الأوامر غير القانونية
بدأت القضية بمشاركة السيناتور كيلي ومجموعة من المشرعين الديمقراطيين الآخرين، في مقطع فيديو نشروه في نوفمبر الماضي. في الفيديو، حثوا أفراد القوات المسلحة ومجتمع الاستخبارات على تحدي الأوامر التي يرون أنها غير قانونية، مع الإشارة إلى مخاوف بشأن التهديدات التي قد تواجه الدستور الأمريكي. السيناتور إليسا سلوتكين وأعضاء مجلس النواب جيسون كرو، وكريس ديلوزيو، وكريسي هولاهان، وماجي جودلاندر، انضموا إلى كيلي في هذه الدعوة، مما زاد من حجم الضجة المثارة حول الفيديو. هذا التصريح أثار غضب البنتاجون، الذي اعتبره تدخلاً غير مقبول في الشؤون العسكرية.
رد فعل البنتاجون وتوبيخ السيناتور كيلي
على الفور، أعلن البنتاجون عن مراجعة لادعاءات سوء السلوك الموجهة ضد كيلي، بما في ذلك النظر في إمكانية استدعائه للخدمة الفعلية للمثول أمام محكمة عسكرية. بعد فترة من المراجعة، أصدر وزير الدفاع لويد أوستن رسالة توبيخ رسمية للسيناتور كيلي. وصف أوستن الفيديو بأنه “تحريضي” ويهدف إلى “تقويض النظام والانضباط العسكري”. وأكد أن كيلي، بصفته ضابطاً متقاعداً لا يزال يتلقى معاشاً تقاعدياً، لا يزال ملتزماً بالقواعد واللوائح العسكرية.
إجراءات خفض الرتبة والتقاعد
بالإضافة إلى التوبيخ، أعلن البنتاجون أنه بدأ إجراءات لتحديد رتبة التقاعد للسيناتور كيلي، وهو ما قد يؤدي إلى خفض رتبته التقاعدية وبالتالي تقليل معاشه التقاعدي. في منشور على منصة “إكس”، أوضح البنتاجون أن كيلي قد أُبلغ بأسباب هذا الإجراء، ولديه 30 يوماً لتقديم رد رسمي. ومن المتوقع أن تستكمل عملية تحديد رتبة التقاعد خلال 45 يوماً. هذه الإجراءات تعتبر غير مسبوقة تجاه سيناتور أمريكي.
ردة فعل السيناتور مارك كيلي ودفاعه عن موقفه
لم يقبل السيناتور كيلي هذا الإجراء بصمت. رد على إعلان هيجسيث بتعبير عن استيائه الشديد، مؤكداً أن رتبته وتقاعده هما حق اكتسبهما من خلال خدمته وتضحياته من أجل الوطن. وأشار إلى أنه خاض تجارب قاسية خلال خدمته العسكرية، بما في ذلك تعرضه لإطلاق النار وغيابه عن مناسبات عائلية مهمة، وحتى قيادته لمهمة فضائية بينما كانت زوجته تتعافى من إصابة خطيرة. استخدام كلمة التقاعد في سياق هذه القضية يبرز مصدر الخلاف الرئيسي بين الطرفين.
كما انتقد كيلي ما وصفه بمحاولة الترهيب من قبل الإدارة، معتبراً أن هيجسيث يسعى إلى توجيه رسالة سلبية إلى جميع الموظفين العسكريين المتقاعدين تفيد بأنه سيتم استهدافهم إذا انتقدوا سياسات الرئيس دونالد ترمب أو الإدارة الحالية. وأكد أنه سيقاتل ضد هذا القرار بكل ما أوتي من قوة، ليس فقط من أجل نفسه، بل من أجل الحفاظ على حق الأمريكيين في انتقاد حكومتهم بحرية. السيناتور كيلي يرى أن هذا الإجراء محاولة للتكميم وتقييد حرية التعبير.
التحليل القانوني والسياسي للقضية
يثير هذا الخلاف تساؤلات حول التوازن بين حق الموظفين العسكريين المتقاعدين في حرية التعبير وبين التزاماتهم بالقواعد العسكرية. يرى البعض أن دعوة كيلي لرفض الأوامر غير القانونية قد تشكل تحريضاً على العصيان، بينما يرى آخرون أنها تعبير مشروع عن القلق بشأن التهديدات التي تواجه الدستور. قانون الخدمة العسكرية قد يلعب دوراً هاماً في تحديد مآل هذه القضية. الخلاف أيضاً يمثل جزءاً من الصراع السياسي الأوسع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، والذي يتجلى في انتقادات متبادلة حول قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية. هذه القضية قد تضع سابقة جديدة لكيفية تعامل البنتاجون مع تصريحات المتقاعدين العسكريين في المستقبل.
الخلاصة والتطورات المستقبلية
إن قضية السيناتور مارك كيلي تمثل نقطة تحول في العلاقة بين المشرعين والإدارة العسكرية الأمريكية. الخلاف حول هذه القضية ليس مجرد خلاف فردي، بل هو انعكاس لتحديات أعمق تواجه الديمقراطية الأمريكية. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تطورات حاسمة في هذه القضية، بما في ذلك رد كيلي الرسمي على توبيخ البنتاجون، والنتائج النهائية لعملية تحديد رتبة التقاعد. ستكون هذه التطورات محل اهتمام كبير من قبل المراقبين السياسيين والقانونيين، ومن المتوقع أن يكون لها تأثير على النقاش الدائر حول حقوق الموظفين العسكريين المتقاعدين وحدود حرية التعبير في الولايات المتحدة.
