تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا في الآونة الأخيرة، مع زيادة الانتشار العسكري الأمريكي بالقرب من الساحل الفنزويلي، بالتزامن مع تقارير عن اعتقال قوى الأمن الفنزويلية لعدد متزايد من المواطنين الأمريكيين. هذه الاعتقالات، والتي بدأت بالتزامن مع حملة الضغط التي تتبعها واشنطن ضد نظام الرئيس نيكولاس مادورو، تثير مخاوف بشأن سلامة الأمريكيين في فنزويلا وتزيد من احتمالات تصعيد النزاع.
زيادة الوجود العسكري الأمريكي وتدهور العلاقات مع فنزويلا
أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن الولايات المتحدة تعزز من وجودها العسكري في منطقة البحر الكاريبي، وتحديداً بالقرب من فنزويلا، ردًا على تصاعد الأنشطة التي تعتبرها واشنطن تهديدًا للأمن القومي. ويشمل ذلك نشر أسطول بحري أمريكي وتنفيذ ضربات جوية تستهدف قوارب يُزعم أنها متورطة في تهريب المخدرات، بالتنسيق مع نظام مادورو. هذه الإجراءات تأتي في إطار سياسة أوسع تهدف إلى عزل مادورو ورئاسته، مع اتهامات متواصلة من واشنطن بعدم الشرعية وتورطه في أنشطة غير قانونية.
الاعتقالات المتزايدة للمواطنين الأمريكيين
وفقًا لمسؤولين أمريكيين، اعتقلت قوات الأمن الفنزويلية ما لا يقل عن خمسة مواطنين أمريكيين خلال الأشهر الأخيرة. وتشير التقارير إلى أن بعض المعتقلين يواجهون تهماً جنائية، بينما يجري تقييم حالات آخرين لتحديد ما إذا كانوا “معتقلين بشكل تعسفي”. يشمل المعتقلون مواطنين أمريكيين يحملون الجنسية الفنزويلية المزدوجة، بالإضافة إلى مواطنين أمريكيين بالكامل. تفاصيل كل قضية تختلف، حيث ذكرت شبكة CNN أن بعض المعتقلين قد يكونون متورطين في أنشطة مثل تهريب المخدرات، مما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
اتهامات متبادلة واستخدام “ورقة الضغط”
يرى مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب أن اعتقال الأمريكيين هو بمثابة محاولة من مادورو لاستخدامهم كـورقة ضغط ضد الولايات المتحدة، في رد فعل على الحملة المتزايدة التي تقودها واشنطن. وتشمل هذه الحملة العقوبات الاقتصادية، والضربات ضد قوارب المخدرات، وحتى استهداف مرفق يُعتقد أنه مرتبط بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). العلاقات الأمريكية الفنزويلية تمر بحالة من التوتر الشديد، و تتفاقم مع كل إجراء مضاد.
من جهته، سعى مادورو إلى التقليل من شأن التهديد الأمريكي، مؤكدًا أن نظام الدفاع الوطني في فنزويلا يضمن سلامة البلاد وأراضيها. وقد أشار إلى أن الضربة التي استهدفت الميناء الفنزويلي قد تكون “موضوعًا يمكن مناقشته”، في إشارة إلى رغبته في الحوار، ولكن مع الحفاظ على موقف قوة.
محاولات سابقة للإفراج والتصعيد المحتمل
تجدر الإشارة إلى أن إدارة ترامب قد سعت في الماضي إلى التفاوض بشأن إطلاق سراح المواطنين الأمريكيين المعتقلين في فنزويلا، حيث أرسلت المبعوث الخاص ريتشارد جرينيل إلى كاراكاس لإجراء محادثات حول تبادل السجناء. وقد أسفرت هذه الجهود عن إطلاق سراح 17 مواطنًا أمريكيًا ومقيمًا دائمًا. الأزمة الفنزويلية شهدت تقلبات كبيرة في جهود الوساطة.
ومع ذلك، فإن قرار الإدارة بوقف هذه المحادثات والتحول إلى حملة ضغط عسكري واقتصادي أدى إلى إغلاق الباب أمام المزيد من عمليات الإفراج. وتشير التقارير إلى أن عدد المعتقلين الأمريكيين بدأ في الارتفاع مجددًا في الخريف، بالتزامن مع زيادة الوجود العسكري الأمريكي.
الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريدس، القائد السابق للقيادة الجنوبية في البنتاجون، حذر من أن اعتقال الأمريكيين قد يكون بمثابة “لعب بالنار” من قبل مادورو، مشيرًا إلى أن ذلك من المرجح أن يدفع ترامب إلى مزيد من التصعيد. ويرى ستافريدس أن هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة وزيادة خطر المواجهة.
العقوبات المستمرة وتداعياتها
واصلت الولايات المتحدة فرض عقوبات على أفراد مرتبطين بنظام مادورو، بما في ذلك أفراد من عائلته، وذلك في محاولة للضغط عليه للاستقالة وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. في ديسمبر الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن حزمتين من العقوبات ضد ثلاثة من أبناء أخوات مادورو وزوجة أحدهم وأقارب آخرين. ومع استمرار هذه العقوبات، يزداد العزلة التي يعاني منها نظام مادورو، وتتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في فنزويلا.
الوضع الحالي يثير مخاوف بشأن مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا واحتمالات تصعيد النزاع. بينما تسعى واشنطن إلى تغيير النظام في فنزويلا، يرى مادورو أن هذه الإجراءات تمثل تدخلًا في الشؤون الداخلية لبلاده. ويظل مصير المواطنين الأمريكيين المعتقلين في فنزويلا قضية أساسية، وقد يؤثر بشكل كبير على مسار الأحداث في الأشهر المقبلة.
