شهدت إيران، مساء الخميس، تصعيدًا حادًا في الاحتجاجات الشعبية التي تجتاح البلاد، حيث امتدت المظاهرات الليلية إلى مناطق واسعة، مصحوبة بأعمال عنف متزايدة. تزامن هذا مع انقطاع شبه كامل للإنترنت وتعطيل خدمات الاتصالات، في خطوة يرى مراقبون أنها محاولة من السلطات الإيرانية للسيطرة على المعلومات وقمع الاحتجاجات. وقد أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات متصاعدة بشأن أي قمع للمحتجين، في ظل تصريحات للرئيس ترمب تشير إلى إمكانية التدخل.
توسع نطاق الاحتجاجات وتصاعد العنف في إيران
لم تقتصر الاحتجاجات في إيران على المدن الكبرى فحسب، بل امتدت لتشمل العاصمة طهران، وأصفهان، والبرز، وبوشهر، وكرمان، وهمدان، بالإضافة إلى العديد من البلدات والمدن الأخرى. وقد بدأت هذه التحركات استجابة للإضرابات وإغلاق الأسواق والبازارات التي شهدتها عدة مدن، احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وسياسات الحكومة. وتشير التقارير إلى أن الجيل الشاب يلعب دورًا رئيسيًا في هذه الاحتجاجات، مع تعبيره عن رفضه للقيود الاجتماعية والسياسية التي تفرضها السلطات.
انقطاع الإنترنت والاتصالات: محاولة للسيطرة على المعلومات
أتى انقطاع الإنترنت والاتصالات الدولية بعد يوم واحد من إعلان رؤساء السلطة القضائية والأجهزة الأمنية في إيران اتخاذ إجراءات صارمة ضد المشاركين في أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات. وتُعد هذه الخطوة بمثابة محاولة واضحة من السلطات لعرقلة تدفق المعلومات ومنع تنسيق المظاهرات عبر الإنترنت. وقد أكدت مجموعة “نت بلوكس” المتخصصة في مراقبة الإنترنت، وقاعدة بيانات معهد جورجيا للتكنولوجيا، الانخفاض المفاجئ والشبه الكامل في مستويات الاتصال داخل إيران.
خسائر بشرية واعتقالات واسعة النطاق
بينما يصعب تحديد العدد الدقيق للضحايا والمعتقلين، تشير التقارير إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين والقوات الأمنية. وقالت وكالة “نشطاء حقوق الإنسان” ومقرها الولايات المتحدة، إن ما لا يقل عن 42 شخصًا لقوا حتفهم، مع اعتقال أكثر من 2270 آخرين. كما تمكنت هيئة الإذاعة البريطانية BBC من التحقق بشكل مستقل من مقتل ما لا يقل عن 21 شخصًا. وتزيد هذه الخسائر من الضغط على الحكومة الإيرانية والمرشد علي خامنئي.
تهديدات ترمب بالتدخل وتصريحاته حول الاحتجاجات
وسط هذا التصعيد، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب التلويح بإمكانية التدخل في إيران، إذا لجأت السلطات الإيرانية إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين. وقال ترمب في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، إنه يتابع الوضع في إيران “عن كثب”، معتبرًا أن “الحشود هائلة للغاية، والحماس لإسقاط النظام مذهل”. وأضاف أنه حذر إيران من أن أي استخدام للقوة المفرطة سيواجه “ردًا قويًا” من الولايات المتحدة، مؤكدًا على دعمه للمتظاهرين.
دعوة رضا بهلوي للتظاهر وتأثيرها المحتمل
دعا رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني السابق، إلى تظاهرات الخميس عبر مقطع فيديو نشره على إنستجرام، حظي بحوالي 90 مليون مشاهدة. وتُعد هذه الدعوة بمثابة اختبار لمدى قدرة بهلوي على كسب تأييد الشارع الإيراني، في ظل تزايد الهتافات المؤيدة للشاه خلال الاحتجاجات الإيرانية. على الرغم من أن علاقات بهلوي بإسرائيل قد تثير انتقادات، إلا أن دعوته للتظاهر تعكس حالة السخط والإحباط التي يعيشها الإيرانيون.
أسباب الاحتجاجات ووضع الاقتصاد الإيراني
اندلعت الاحتجاجات في الأصل بسبب تنديد أصحاب المتاجر في منطقة البازار الكبير في طهران بالهبوط الحاد في قيمة الريال الإيراني. ولكن سرعان ما اتسع نطاق الاحتجاجات ليشمل مطالب أوسع تتعلق بالوضع الاقتصادي المتدهور، وتفشي الفساد، والقيود الاجتماعية والسياسية. وقد ساهمت العقوبات الغربية، وسوء الإدارة الاقتصادية، والتضخم المتسارع، في تفاقم الأوضاع المعيشية للإيرانيين، مما دفعهم إلى النزول إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم.
رد فعل السلطات الإيرانية وتصريحات المسؤولين
يبدو أن المسؤولين الإيرانيين يتعاملون بجدية مع الاحتجاجات، حيث بثّت صحيفة “كيهان” المتشددة مقطع فيديو زعمت فيه أن قوات الأمن ستستخدم طائرات مسيّرة لتحديد هوية المشاركين في المظاهرات. كما حذر رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجئي، من أن السلطات “لن تُظهر أي رحمة” تجاه المحتجين، متهمًا “أعداء البلاد” بتأجيج الاضطرابات. وأعلنت وسائل إعلام رسمية عن مقتل عناصر من قوات الأمن خلال أعمال الشغب في إيران، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد.
باختصار، تشهد إيران وضعًا متفجرًا، حيث تتصاعد الاحتجاجات الشعبية وتزيد حدتها يومًا بعد يوم. وانقطاع الإنترنت والاتصالات، بالإضافة إلى التهديدات بالتدخل الخارجي، يزيدان من تعقيد الوضع. يبقى السؤال هو كيف ستتعامل السلطات الإيرانية مع هذه الاحتجاجات، وهل ستلجأ إلى العنف المفرط أم ستحاول الحوار والاستجابة لمطالب الشعب؟
