أزمة السياسة الأمريكية: انهيار سردية الحرب على إيران
مهما حاول رئيس أميركا دونالد ترامب أن يُناور ويُداور، ويخادع، ويُراوغ فجر هذا اليوم في «تحديثه الجديد حول الحرب على إيران»، فإن أحداً في هذا العالم لن يصدّقه بعد اليوم. لقد انكشف الجزء الأكبر من مستور هذه الحرب وخفاياها وأسرارها، وتكشف معها حقيقة أزمة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. ببساطة انهارت السردية الأميركية، التي كانت تبرر هذه الحرب، ومن خلفها أو إلى جانبها السردية الإسرائيلية، بل وحتى العربية الملحقة بهاتين السرديتين.
الكشف عن أخطاء استراتيجية كارثية
في ضوء هذه الانهيارات، اضطربت المواقف واختلطت الأوراق، وتبدّلت وتغيّرت المواقع والتحالفات، أو هي في طريقها لذلك. نقف اليوم أمام افتضاحات شاملة، كاشفة، وحاسمة لأخطاء وخطايا الحسابات المتسرّعة. هذه الأخطاء تجلت في استراتيجيات المراهنة على حروب الصدمة والترويع، ومقامرات ومغامرات التعويل على تقارير استخباراتية في ربح حربٍ كاملةٍ لها هذه الأهمية وهذا القدر من المصيرية بعمليات «مُبهرة» من قطع الرؤوس والاغتيالات.
كيف خسر ترامب أوراقه ورقةً تلو الأخرى؟ كان على الأخير أن يربح هذه الحرب بصورة تامّة وكاملة وجليّة. كان عليه أن يعود إلى الشعب الأميركي وقد أسقط النظام الإيراني واستبدله بنظام جديد، مستعد لتسليم مقدّراته وثرواته للشركات الأميركية. وكان يجب عليه أن يكون قد أمسك أو أعاد الإمساك بمصادر الطاقة في واحد من أهم أقاليم العالم. كما كان عليه أن يمكّن دولة الاحتلال من تدمير «حزب الله» اللبناني، وأن «يُخمد» «الحشد الشعبي» في العراق، وأن يحيّد جماعة «الحوثيين» اليمنية ويجرّدها من كل ما من شأنه التأثير على الملاحة في البحر الأحمر ومرور السفن في مضيق باب المندب. كل ذلك كان يهدف إلى الإعداد الكامل لـ «إسرائيل الكبرى»، وأن يكون الإقليم العربي والإسلامي كلّه مروّضاً بما يكفي للتعامل مع «الواقع» الجديد الذي فرضته الرؤية الأمريكية.
ثمن الفشل: خسائر داخلية وخارجية
دون هذا، أو دون كل ذلك، فإن ترامب يكون قد خسر الحرب؛ لأنها لم تكن ضرورية، ولم تكن مصيرية، وليست إجبارية. هذه الحرب لن تعود على الشعب الأميركي بأي خير، ولن تحلّ أزماته، ولن تخرجه من المأزق السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. بل ولن تقدّم أو تؤخّر في مسار انحدار الدور والمكانة الدولية، ولن تجدي نفعاً حقيقياً في فك العزلة الأميركية عن العالم الذي ضاق ذرعاً بترامب وبـ «الترامبية»، وكل الحالة البهلوانية للاستراتيجية الأميركية.
فقدان الشرعية الداخلية والدولية
لقد خسرت أميركا الشرعية الدستورية الداخلية لأنها باتت أكبر من أي حرب، حتى ولو جرى الالتفاف على مسمّاها «كعملية عسكرية». فقدت شرعيتها الشعبية إلى درجة أن الطغمة العقارية «الإبستينية» نفسها أصبحت تنصح ترامب بوقفها في أسرع وقت ممكن قبل أن تصبح الاحتجاجات ضدّها بعشرات الملايين، وقبل أن تفقد هذه الطغمة السيطرة على الحدّ الأدنى من شبح الانفلات التام. هذا كله ليس سوى الوجه الأوّل والأبسط من هذه الخسارة، أزمة السياسة الأمريكية هي أعمق بكثير.
انهيار النموذج الاقتصادي الأمريكي
الخسارة الكبرى هي أن الشعب الأميركي لن يقبل بعد الآن أن يتمّ استحواذ هذه «الطغم» على ثروات البلاد ومقدّراتها، وحرمان عشرات الملايين من الأميركيين من الحدود الدنيا للعيش الكريم. هذا الأمر سيولّد موضوعياً اتجاهاً جديداً في الحراك الاجتماعي الأميركي القادم؛ ليس مجرّد التراجع عن نهج حروب الطغمة الحاكمة والتضحية بالدم الأميركي في سبيل حروب «الآخرين»، سواء كان هؤلاء الآخرون هم شركات النهب والاستحواذ واللصوصية، أو كانوا اللوبيات الإسرائيلية التي ثبت أنها تتحكّم إلى درجة كبيرة بهذه الطغم كلها.
لن يقتصر الأمر على التراجع، وإنما سيدخل المجتمع الأميركي في طور نوعي جديد من المراجعة التاريخية لكامل المنظومة التي تكرّس هذه الدرجة من الهيمنة الداخلية التسلّطية، والآليات السياسية التي تتيح مثل هذه السيطرة والتحكّم. السبب في أنّ الحلول الترقيعية لن تحلّ أزمة السياسة الأمريكية هو أن السبب التاريخي لسقوط الإمبراطوريات ينطبق بالكامل على الواقع الأميركي. تدفع أميركا حالياً ما يزيد على 950 مليار دولار لسداد خدمة الدّين، بينما لا تصل ميزانية الدفاع لأكثر من 890 مليار دولار. تحتاج أميركا إلى تأكيد الثقة بالسندات لتوفير ما يربو على 10 تريليونات دولار قبل نهاية هذا العام لضمان عدم تعرّض الاقتصاد لموجات جديدة وكاسحة من التضخّم وصولاً إلى خطر الركود الاقتصادي.
أصبح هذا الأمر مستحيلاً بعد الفشل في الحرب على إيران، وتحول إلى دائرة المستحيل المضاعف. خصوصاً وأن «البترودولار» الذي كان يحمي الدولار حتى الآن لم يعد على نفس الدرجة من الانسيابية. وليس هناك من تعويض عن ذلك سوى المزيد من طبع الدولارات، والمزيد من التضخّم، والمزيد من الانحدار في مستويات المعيشة، والمزيد من الإفقار والتهميش، ومن تحطيم الطبقة الوسطى وإجبارها على مغادرة ميّزاتها التاريخية والالتحاق بالعوز.
العزلة الدولية وشبح النظام الإقليمي الجديد
لا حلول اقتصادية ناجعة إلا بتغيير نهج الحروب وافتعال الأزمات الدولية التي تقوم على منطق الهيمنة، والسعي إلى استبدالها بالتعاون والشراكة والتبادلية. بل أصبح تغيير هذا النهج هو المدخل الوحيد لوقف التدهور أولاً، ثم لمحاولة الخروج من خطر انفجار الفقاعات التي تأتي مسرعة. وملخّص هذه الوقائع كلها أن الإمبراطورية الأميركية تقف اليوم أمام مفترق خطير يمثل المظهر الأوّل في أزمة أفول نجمها وتراجع مكانتها التاريخية.
الخسارة الثانية الكبرى تتمثّل في العزلة الخانقة التي تعيشها «الترامبية» على المستوى الدولي، وبما وصل إلى ما يشبه الحصار العالمي لسياساتها ولكامل نهجها وإستراتيجياتها. فقد فشلت أميركا بجرّ حليف واحد إلى جانبها، وتخلّى عنها «حلف الناتو»، وتخلّت عنها بريطانيا نفسها، وهي الحليف التقليدي التاريخي لها، وفشلت في «إرغام» كل حلفائها الجادّين في الإقليم على الانضمام للحرب على إيران. هذه العزلة تبرز عمق أزمة السياسة الأمريكية الحالية.
تغامر أمريكا من خلال هذا النهج الانعزالي بفقد السيطرة على مفاتيح التحكّم بدول الإقليم، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى بدء ظهور نظام إقليمي جديد. هذا النظام ليس في مواجهة إيران كما تراهن هذه الإدارة فقيرة الخبرة السياسية، وإنما الذهاب إلى نظام إقليمي يملأ الفراغ الناتج موضوعياً عن الانكفاء الأميركي الذي أصبحت أميركا مجبرة عليه، بعد أن تمّ ضرب قواعدها بقسوة، وبعد أن تحوّل الأمر إلى مستحيل سياسي على مستوى إعادة بناء هذه القواعد على نفس الأسس وبنفس الشروط.
آفاق إنهاء الصراع وتداعياته
خسرت أميركا ورقة العودة إلى الحرب؛ لأن هذه العودة مهما كانت موارَبة، ومهما انطوت على أشكال الخداع، ومهما كانت «هوليوودية» أو استعراضية، فهي مغامرة كبيرة في لحظات لا تحتمل أي مغامرة. فالحرب البرّية الجزئية ستعني إمكانيات عالية لورطة جديدة، والحرب الجزئية لا يمكن أن تتوقّف عند حدود معيّنة إلا بشروط أسوأ على أميركا إن أُجبرت عليها، وهو ما سيؤدي إلى اشتعال الشارع الأميركي، ويفاقم من أزمة الإدارة، ويعمّق من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.
هذه حرب لا يمكن كسبها بالفهلوة، ولا يخفّف من وقعها وتأثيراتها الادعاءات بـ «الانتصار» فيها، وكلما زادت بهلوانياتها تعمّقت تبعاتها. إنهاء الحرب قد لا يأتي باتفاق سريع، وقد يوقف ترامب الحرب من جانب واحد، وقد يرى في المبادرات «الجديدة» التي تلوح في الأفق – وخصوصاً المبادرة الصينية الباكستانية المدعومة من دول الإقليم الرئيسية، والمدعومة بكل تأكيد من روسيا وأوروبا – فرصته لإعلان انتهاء الحرب، وبالتالي إرجاء الاتفاق إلى عدة أسابيع بعد أن يتم نزع فتيل التصعيد الخطير.
في هذه الحالة ستلتحق دولة الاحتلال صاغرةً بالاتفاق، أو على الأقلّ ستُذعن له من دون الموافقة الرسمية عليه؛ لأنها لا تستطيع التمرّد عليه إلا بكُلفة أعلى من الكلفة الحالية لاستمرار الحرب. الخسارات الإسرائيلية أعمق مما يظنّ البعض، وأكثر خطراً عليها حتى من الخطر المحدق بأميركا؛ لأن المغامرة هنا تطال المكانة والدور بصورة مؤكّدة، لكن قد يتعدّى الأمر وصولاً إلى المصير والوجود، مما يعكس عمق أزمة السياسة الأمريكية وتداعياتها على حلفائها.
خلاصة
في الختام، تتجلى أزمة السياسة الأمريكية الراهنة بوضوح في انهيار سردية الحرب على إيران. هذا الانهيار ليس مجرد فشل خارجي، بل هو انعكاس لأعمق المشكلات الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة، من أزمتها الاقتصادية إلى تفكك نسيجها الاجتماعي. مع تزايد العزلة الدولية وتآكل الشرعية، تبدو الحاجة ملحة لتغيير جذري في النهج الاستراتيجي لتجنب المزيد من التدهور.
