العلاج المناعي للسرطان يشهد تطورات واعدة، حيث كشفت دراستان علميتان حديثتان عن إمكانية تعزيز فعاليته من خلال استهداف جينات محددة داخل الخلايا السرطانية. هذه الاكتشافات تفتح آفاقًا جديدة لفهم مقاومة السرطان للعلاج وتحديد المرضى الذين يمكنهم الاستفادة القصوى منه. وتُظهر النتائج أن فقدان بعض الجينات قد يجعل الأورام أكثر عرضة لهجوم الجهاز المناعي، مما يمثل خطوة مهمة نحو علاج أكثر تخصيصًا وفعالية.
العلاج المناعي للسرطان: نقلة نوعية وقيود
أحدث العلاج المناعي للسرطان ثورة في علاج بعض أنواع السرطان، معتمدًا على مبدأ تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية. ومن أبرز هذه العلاجات “مثبطات نقاط التفتيش المناعية”، التي تعمل على إزالة القيود المفروضة على الخلايا المناعية، مما يسمح لها بمهاجمة الورم بقوة أكبر. وقد أثبت هذا الأسلوب فاعليته بشكل خاص في سرطانات مثل الميلانوما (سرطان الجلد) والأورام التي تعاني من خلل في إصلاح الحمض النووي.
ومع ذلك، لا يستجيب سوى أقل من 35% من مرضى الأورام الصلبة لهذا العلاج، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت. الاعتقاد السائد كان أن مقاومة السرطان ترتبط بضعف المناعة، ولكن الأبحاث الجديدة تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا.
جينات السرطان: دروع خفية تحمي الأورام
تشير الدراسات الحديثة إلى أن مقاومة السرطان للعلاج المناعي لا ترتبط دائمًا بضعف المناعة، بل بقدرة الورم نفسه على حماية خلاياه عبر مسارات جينية تعمل بمثابة “دروع خفية”. هذه “الدروع” تجعل الخلايا السرطانية أقل عرضة للهجوم المناعي، حتى في وجود علاج مناعي فعال.
جينان مقاومان للعلاج المناعي: CHD1 و MAP3K7
دراسة حديثة نشرت في مجلة “Cell Reports Medicine” كشفت عن دور جينين رئيسيين في مقاومة السرطان للعلاج المناعي: CHD1 و MAP3K7. فريق البحث، بقيادة ماثيو كويلو من معهد ويلكوم سانجر، وجد أن حذف هذين الجينين من الخلايا السرطانية يجعلها أكثر عرضة لهجوم الجهاز المناعي.
استخدم الباحثون تقنية كريسبر (CRISPR) لتحرير الجينات داخل الخلايا السرطانية، مع مراقبة التفاعل بين الورم والخلايا المناعية المأخوذة من نفس الشخص. أظهرت النتائج أن تعطيل أي من الجينين يزيد من حساسية الخلايا السرطانية للإشارات المناعية القوية، مثل الإنترفيرون-غاما (IFNγ) وهجوم الخلايا التائية. أما تعطيل الجينين معًا فقد أدى إلى جعل الخلايا السرطانية شديدة الهشاشة، وفقدانها القدرة على مقاومة الالتهاب المناعي.
جين TAK1: مفتاح أمان يحمي الخلايا السرطانية
دراسة أخرى نشرت في مجلة “Cell Reports” ركزت على جين TAK1، الذي يعمل بمثابة “مفتاح أمان” يحمي الخلايا السرطانية من الإشارات القاتلة التي تطلقها الخلايا التائية (CD8⁺). عند تعطيل هذا الجين، تفقد الخلايا السرطانية بروتينًا واقيًا، مما يجعلها أكثر عرضة للتدمير المناعي. ونتيجة لذلك، ينمو الورم بشكل أضعف، ويصبح الجهاز المناعي أكثر قدرة على السيطرة عليه دون الحاجة إلى تعزيز المناعة نفسها.
نتائج واعدة وتطبيقات مستقبلية للعلاج المناعي
أظهرت التجارب على نماذج حيوانية أن الأورام التي تفتقر إلى هذه الجينات استجابت بشكل أفضل للعلاج المناعي، وجذبت أعدادًا أكبر من الخلايا المناعية القاتلة للسرطان. كما أظهر تحليل بيانات المرضى أن الأورام ذات النشاط المنخفض لجينات CHD1 و MAP3K7 أو تلك التي تعطّل فيها مسار TAK1 كانت أكثر قابلية للاستجابة للعلاج المناعي.
هذه النتائج تفتح الباب أمام العلاج المخصص للسرطان. فإذا أمكن فحص نشاط هذه الجينات في الأورام قبل العلاج، فقد يتمكن الأطباء من تحديد المرضى الأكثر استفادة وتجنب إعطاء علاجات مرهقة ومكلفة لمن لن يستفيدوا منها. ويقول أليكس واترسون، أحد مؤلفي الدراسة، إن الخلايا السرطانية عندما تفقد هذه الجينات تصبح أسهل بكثير لهجوم الجهاز المناعي، مما يكشف عن نقطة ضعف يمكن استغلالها علاجياً.
فهم أعمق لمقاومة السرطان
ترسم الدراستان معًا صورة أكثر وضوحًا لأسباب فشل العلاج المناعي لدى عدد كبير من المرضى. المشكلة لا تكمن دائمًا في ضعف الجهاز المناعي، بل في قدرة الورم نفسه على تعطيل إشارات القتل المناعي أو تحملها عبر مسارات جينية محددة. إن حذف جينات مثل CHD1 و MAP3K7 أو تعطيل جين TAK1 لا يعزز المناعة مباشرة، بل يزيل الدروع الخفية التي يستخدمها السرطان للبقاء.
مع استمرار الأبحاث، قد يتحول هذا الفهم إلى خطوة حاسمة نحو توسيع نطاق المستفيدين من العلاج المناعي ومنح الأمل لعدد أكبر من مرضى السرطان. إن استهداف هذه الجينات يمثل استراتيجية واعدة لتحسين فعالية العلاج المناعي وتحقيق نتائج أفضل للمرضى. كما أن تطوير اختبارات جينية لتحديد المرضى الذين يمكنهم الاستفادة من هذا النهج العلاجي الجديد يمثل هدفًا رئيسيًا للباحثين في هذا المجال.