تنتظر المكسيك، وكذلك المنطقة بأسرها، بقلق بالغ تطورات العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، وتأثير ذلك على مستقبل اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين الثلاثة. ففي ظل التوترات المتصاعدة حول السياسات التجارية العالمية، تجد كل من واشنطن وأوتاوا نفسها على مفترق طرق بين التعاون والمنافسة، مما يلقي بظلال من الشك على مستقبل هذه الشراكة الاقتصادية الهامة. هذا المقال يتناول بالتفصيل الوضع الحالي، التحديات المطروحة، ومواقف الأطراف المعنية، مع التركيز على اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
مستقبل اتفاقية USMCA: بين التهديدات والتأكيدات
أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلاً واسعاً بتصريحاته التي وصف فيها اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بأنها “غير ذات صلة” بمصالح الصناعة الأمريكية. هذه التصريحات، بالإضافة إلى الإجراءات الحمائية التي اتخذتها إدارته، أثارت مخاوف بشأن التزام الولايات المتحدة بالاتفاقية. في المقابل، تحاول المكسيك الحفاظ على الاستقرار، وتؤكد على أهمية الاتفاقية لاستمرار النمو الاقتصادي في المنطقة.
تحركات كندا نحو تنويع الشراكات التجارية
في ظل هذه التوترات، بدأت كندا في استكشاف خيارات جديدة لتنويع شراكاتها التجارية. قام رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، بزيارة إلى الصين مؤخراً، وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة، بما في ذلك تسهيل دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الكندية. هذه الخطوة، التي اعتبرها البعض تحدياً للإدارة الأمريكية، تهدف إلى تقليل الاعتماد على السوق الأمريكي وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع قوى عالمية أخرى.
ردود الفعل الأمريكية على اتفاق كندا والصين
لم تخفِ الإدارة الأمريكية استياءها من اتفاق كندا والصين، حيث اعتبر ترامب أن كندا “تعيش بفضل الولايات المتحدة”. هذه التصريحات النارية تعكس تصاعد التوتر بين البلدين الجارين، والذي بدأ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتفاقم في الأسابيع الأخيرة. الخلافات التجارية أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من العلاقة الثنائية بين واشنطن وأوتاوا.
موقف المكسيك: الحفاظ على الاتفاقية كأولوية
تتبنى المكسيك موقفاً أكثر هدوءاً وحرصاً على الحفاظ على اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. أكدت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، أن الاتفاقية لن يتم فسخها تحت أي ظرف من الظروف، وأنها تمثل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف. ترى شينباوم أن الاتفاقية قد تشهد بعض التعديلات، لكنها ستظل سارية المفعول، نظراً لأهميتها الاقتصادية.
تعزيز العلاقات الثنائية مع كندا
بالتوازي مع جهودها للحفاظ على الاتفاقية الإقليمية، تعمل المكسيك على تعزيز علاقاتها الثنائية مع كندا. التقى الرئيسة شينباوم برئيس الوزراء ترودو في سبتمبر الماضي، حيث اتفق الطرفان على العمل المشترك للحفاظ على الاتفاقية ودعم قوة أمريكا الشمالية ككتلة تجارية موحدة. كما تستعد المكسيك لاستقبال وفد من قادة الأعمال الكنديين في فبراير لدراسة فرص الاستثمار الجديدة.
الرسوم الجمركية الجديدة للمكسيك: حماية الإنتاج المحلي
في محاولة لمواجهة التحديات التجارية، فرضت المكسيك رسوماً جمركية على 1400 منتج من آسيا، معظمها من الصين. تهدف هذه الإجراءات إلى حماية الإنتاج المحلي في القطاعات الرئيسية مثل الصلب والمنسوجات والأحذية وصناعة السيارات. تعتبر هذه الخطوة أيضاً بمثابة توافق مع السياسات التجارية الحمائية التي تتبعها الولايات المتحدة. هذا التحول في السياسة التجارية يعكس سعي المكسيك لتنويع مصادرها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على دولة واحدة.
المخاطر المترتبة على إنهاء الاتفاقية
حذرت مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” من أن إنهاء اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا واستبدالها باتفاقيات ثنائية بين الدول الأعضاء قد يؤدي إلى تهديد 17 مليون وظيفة تعتمد على سلاسل الإنتاج المتكاملة في المنطقة. كما أشارت إلى أن اتفاق كندا مع الصين قد يعقد عملية إعادة التفاوض على الاتفاقية الإقليمية. هذه التحذيرات تؤكد على الأهمية الاستراتيجية للاتفاقية الإقليمية للاقتصاد الأمريكي الشمالي.
التحديات المستمرة والالتزامات المكسيكية
على الرغم من التحديات، تظل المكسيك الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين حوالي 448 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024. تلتزم المكسيك بتلبية متطلبات الاتفاقية، بما في ذلك تعزيز نظام العدالة العمالية، وتستعد لاستقبال استثمارات جديدة من كندا. الوضع الحالي يتطلب حواراً بناءً وتفاوضاً دقيقاً لضمان استمرار التجارة الحرة وتحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف. الاستقرار الاقتصادي في أمريكا الشمالية يعتمد بشكل كبير على الحفاظ على هذه الشراكة.
الخلاصة
مستقبل اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لا يزال غير واضحاً، لكن المكسيك تبدي التزاماً قوياً بالحفاظ عليها. في الوقت نفسه، تسعى كندا إلى تنويع شراكاتها التجارية، بينما تتبنى الولايات المتحدة سياسات تجارية أكثر حماية. يتطلب هذا الوضع معالجة دقيقة وتفاوضاً بناءً لضمان استمرار التعاون الاقتصادي في أمريكا الشمالية وتحقيق النمو المستدام. من الضروري مراقبة التطورات القادمة، خاصةً مع اقتراب موعد المراجعة السنوية للاتفاقية في الأول من يوليو المقبل، لتقييم الآثار المحتملة على المنطقة والعالم.
