في البداية، ظهر إيمانويل ماكرون كوجه جديد للسياسة الفرنسية، شابًا مؤيدًا لأوروبا ومدافعًا عن حقوق المرأة، ليقدم نفسه كبديل للسياسيين التقليديين ذوي النبرة الشعبوية. لكن، وكما يكشف كتاب جديد لمؤيدين سابقين، يبدو أن قصر الإليزيه قد تحول إلى معقل للذكورية، حيث يسيطر عليه حاشية من المستشارين الذكور. هذا التحول المفاجئ، والتركيز على حاشية ماكرون، هو محور انتقاد الكتاب الذي يرسم صورة قاتمة للوضع داخل الرئاسة الفرنسية.
تحول الإليزيه: من المساواة إلى الهيمنة الذكورية
الكتاب الجديد، الذي يحمل عنوان “نيرون في الإليزيه” للصحفيين نيكولاس دوميناش وموريس سزافران، يلقي الضوء على هيمنة ذكورية “صارخة” داخل قصر الإليزيه والوزارات الهامة. يرى المؤلفان أن هذه الهيمنة تتعارض بشكل صارخ مع الخطاب الذي تبناه ماكرون حول المساواة بين الجنسين، والذي كان يُفترض أن يكون “القضية العظيمة” لعهده.
ويصف الكتاب كيف أن دائرة المقربين من الرئيس، والتي تضم شخصيات مثل ألكسيس كولر، الأمين العام السابق للإليزيه، والذي يوصف بـ “نائب الرئيس”، وبرونو روجر-بيتي، المتحدث الرسمي النشط، بالإضافة إلى وزراء نافذين كجيرالد دارمانين، يسيطرون بشكل كامل على عملية صنع القرار.
غياب المرأة في مواقع صنع القرار
على الرغم من التأكيد المستمر على المساواة، يؤكد الكتاب أن النساء غائبات بشكل ملحوظ عن الدوائر الداخلية للسلطة. حتى في القضايا التي تتعلق بشكل مباشر بحقوق المرأة وتمكينها، يلاحظ المؤلفان نقصًا في التمثيل النسائي في الاجتماعات والمناقشات الرئيسية. هذا الغياب يثير تساؤلات حول مدى جدية التزام ماكرون بالمساواة بين الجنسين في الواقع العملي.
“نيرون في الإليزيه”: تشريح للانهيار السياسي
لا يقتصر انتقاد الكتاب على الهيمنة الذكورية، بل يمتد ليشمل أسلوب إدارة الرئيس ماكرون نفسه. يرى دوميناش وسزافران أن ماكرون محاط بمجموعة من “الموالين” الذين لم يتمكنوا من منعه من اتخاذ قرارات متسرعة ومدفوعة بـ “النرجسية والاكتئاب”.
ويصفان ما يشهدونه بأنه “انهيار” بدأ بعد إعادة انتخاب ماكرون في عام 2022، والتي جاءت دون حملة انتخابية حقيقية، وتفاقم مع حل البرلمان في عام 2024، مما أدى إلى شلل سياسي. ويعتبران قرار حل البرلمان “خطأ فادحًا” أضر بفرنسا بأكملها، نتيجة لثقة مفرطة وعدم فهم متزايد للمشهد السياسي.
عبارات من الماضي: تعزيز للثقافة الذكورية
الكتاب يكشف عن تفاصيل دقيقة حول الثقافة الداخلية في قصر الإليزيه، بما في ذلك استخدام ماكرون وحاشيته لعبارات من فيلم “الأعمام المسلحون” (Les Tontons Flingueurs)، وهي كوميديا فرنسية شهيرة من الستينيات، كنوع من التباهي الذكوري. عبارات مثل “لم نأتِ إلى هنا لنحضر السندويشات” و “سأقطعه إلى قطع صغيرة” تعكس، بحسب المؤلفين، أجواءً من التفوق الذكوري واللامبالاة. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف الكثير عن الديناميكيات غير الرسمية التي تشكل السياسة الفرنسية.
بريجيت ماكرون واللحظة الحاسمة في هانوي
الكتاب لا يغفل دور بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس، ولكنه يصفه بأنه دور معقد. يرى المؤلفان أنها كانت وراء “لحظة حاسمة” في كشف زيف الصورة النمطية للرجل القوي التي بناها زوجها بعناية. يشيرون إلى اللقطات التي انتشرت على نطاق واسع من هانوي في مايو 2025، والتي بدت فيها السيدة الأولى تلطم وجه الرئيس، بينما كانا يستعدان للنزول من الطائرة.
ويحلل الصحفيان هذه اللقطة على أنها “صفعة” رمزية للرجل الذي صور نفسه دائمًا على أنه قوي ومسيطر. هذه الحادثة، بحسب الكتاب، كشفت عن هشاشة صورة ماكرون وأثارت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بينه وبين زوجته. حاشية ماكرون لم تتدخل أو تعترض على هذه الصورة، مما يعزز فكرة سيطرتهم على المشهد.
ما بعد “نيرون في الإليزيه”: تداعيات وانتقادات
الكتاب أثار ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية، وأثار نقاشًا حادًا حول دور المرأة في السياسة الفرنسية، وأسلوب إدارة الرئيس ماكرون. العديد من المراقبين يرون أن الكتاب يقدم تحليلًا لاذعًا وربما مبالغًا فيه، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة مهمة حول الشفافية والمساءلة في الرئاسة الفرنسية. السياسة الفرنسية قد تشهد تحولات كبيرة نتيجة لهذه الانتقادات.
في الختام، “نيرون في الإليزيه” ليس مجرد سيرة ذاتية لانتقاد الرئيس ماكرون، بل هو تشريح دقيق لثقافة السلطة في فرنسا، وكيف يمكن أن تؤدي الهيمنة الذكورية والقرارات المتسرعة إلى “انهيار” سياسي. الكتاب يدعو إلى إعادة تقييم دور المرأة في السياسة الفرنسية، وإلى تبني أسلوب إدارة أكثر شفافية ومسؤولية. هل سيستجيب ماكرون لهذه الانتقادات؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة. يمكن للقارئ المهتم بالسياسة الفرنسية والتحولات التي تشهدها، متابعة آخر التطورات وتحليلها بشكل مستقل.
