أعلن الكرملين عن مشاركة روسيا في اجتماع ثلاثي مرتقب في أبوظبي، يجمع مسؤولين روس وأوكرانيين وأمريكيين، وذلك في خطوة جديدة تعكس الجهود الدولية المتواصلة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. يأتي هذا الإعلان في أعقاب محادثات وصفها الكرملين بـ”المفيدة” بين الرئيس فلاديمير بوتين والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو، مما يبعث أملاً حذراً في إمكانية تحقيق تقدم نحو حل سلمي. هذا الاجتماع الثلاثي في أبوظبي يمثل فرصة حاسمة لتقييم الوضع الراهن واستكشاف سبل جديدة لتهدئة الصراع.
مشاركة روسيا في اجتماع أبوظبي: تفاصيل ومستقبل المفاوضات
أكد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، أن الرئيس بوتين وجه وفد موسكو بإجراء مشاورات مكثفة في أبوظبي، مع الأخذ في الاعتبار كافة تفاصيل المحادثات التي جرت في الكرملين مع المبعوثين الأمريكيين. ويهدف هذا التوجيه إلى ضمان تنسيق الجهود الروسية مع التطورات الأخيرة في المشاورات الدولية. من المقرر أن يتولى الجنرال إيجور كوستيوكوف، مدير الاستخبارات العسكرية الروسية، قيادة الوفد الروسي في هذه المحادثات الأمنية الهامة.
إلى جانب ذلك، سيجري مبعوث الاستثمار الروسي، كيريل ديميترييف، لقاءً منفصلاً مع ستيف ويتكوف لمناقشة القضايا الاقتصادية ذات الصلة بالصراع. وتشمل هذه القضايا مصير الأصول الروسية المجمدة، وإمكانية استخدامها في جهود إعادة الإعمار في أوكرانيا، وهي نقطة أشار إليها الرئيس بوتين نفسه.
بوتين يؤكد على الحل الدبلوماسي مع مواصلة العمليات العسكرية
على الرغم من التأكيد على الاهتمام بالحل الدبلوماسي، شدد الرئيس بوتين على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهداف “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا. وأوضح أن القوات المسلحة الروسية تحتفظ بالمبادرة الاستراتيجية في ساحة المعركة، مما يعني أن الضغط العسكري سيستمر جنباً إلى جنب مع الجهود التفاوضية. هذا الموقف يعكس إصرار روسيا على تحقيق مكاسب ملموسة على الأرض قبل التوصل إلى أي اتفاق نهائي.
الأراضي المتنازع عليها: محور محادثات زيلينسكي في أبوظبي
في المقابل، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن مسألة الأراضي ستكون على رأس أولويات النقاش في محادثات أبوظبي. وأشار إلى أن منطقة دونباس تحديداً تمثل نقطة خلاف رئيسية، وأن المحادثات ستركز على كيفية رؤية الأطراف الثلاثة لهذه القضية. ويعتبر موقف أوكرانيا بشأن الأراضي المتنازع عليها حاسماً، حيث ترفض التنازل عن أي جزء من أراضيها لصالح روسيا.
ومن المقرر أن يترأس رستم عمروف، كبير المفاوضين الأوكرانيين، الوفد الأوكراني في المحادثات، بمشاركة رئيس مكتب زيلينسكي، كيريلو بودانوف، وزعيم حزب الرئيس الحاكم في البرلمان، دافيد أراخاميا. هذا الوفد يمثل طيفاً واسعاً من السلطات الأوكرانية، مما يعكس أهمية هذه المحادثات بالنسبة لكييف.
الخلافات الجوهرية والمسارات الموازية للمفاوضات
لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة بين الأطراف المتفاوضة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية المتعلقة بالأراضي الأوكرانية. ويعتبر التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضايا بمثابة “عقدة” رئيسية تعيق التقدم نحو حل سلمي. فالجانب الروسي يصر على مطالبه المتعلقة بالأراضي، بينما يرفض الجانب الأوكراني التنازل عن أي جزء من أراضيه.
بالتوازي مع المسار الأمني، تشهد أبوظبي أيضاً اجتماعاً ثنائياً روسياً أمريكياً مخصصاً للشؤون الاقتصادية. ويهدف هذا الاجتماع إلى بحث مصير الأصول الروسية المجمدة، وإمكانية استخدامها في جهود إعادة إعمار أوكرانيا. وقد ألمح الرئيس بوتين إلى استعداده لتخصيص جزء من هذه الأصول للمساهمة في إعادة الإعمار، بعد التوصل إلى اتفاق للسلام.
ومع ذلك، فإن حجم الأصول الروسية المجمدة في الولايات المتحدة يمثل جزءاً صغيراً من المبلغ الإجمالي المطلوب لإعادة إعمار أوكرانيا، والذي يقدر بنحو 524 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
آفاق الهدنة المحدودة والضغوط المستمرة
في ظل استمرار الخلافات، ناقشت الولايات المتحدة وأوكرانيا اقتراح هدنة محدودة مع روسيا، تقضي بوقف موسكو لضرباتها على منشآت الطاقة مقابل توقف كييف عن استهداف المصافي الروسية وناقلات النفط. لكن هذا الاقتراح لم يحقق تقدماً كبيراً، ومن غير المرجح أن يوافق عليه الرئيس بوتين، الذي يعتبر الضغط على قطاع الطاقة الأوكراني ورقة ضغط مهمة.
وفي الختام، يمثل اجتماع أبوظبي فرصة هامة لكسر الجمود في المفاوضات الروسية الأوكرانية. ومع ذلك، فإن التحديات كبيرة، والخلافات الجوهرية لا تزال قائمة. يتطلب تحقيق تقدم ملموس جهوداً دبلوماسية مكثفة، وتنازلات من جميع الأطراف، وإرادة سياسية حقيقية لإنهاء هذا الصراع المدمر. المحادثات الجارية حول الأصول الروسية المجمدة والهدنة المحدودة تمثل مسارات موازية قد تساهم في بناء الثقة وتهيئة الأجواء لحل شامل.
