أظهرت محادثات حديثة بين مسؤولين من الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند وجود خلافات جوهرية حول مستقبل الجزيرة، وتحديداً طموحات الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في الاستيلاء عليها. هذه الخلافات تبرز صراعاً بين الرغبة في تحقيق مكاسب استراتيجية، واحترام مبادئ السيادة الوطنية. وتتصاعد التوترات مع استمرار ترامب في التعبير عن اهتمامه بغرينلاند، في الوقت الذي تعزز فيه دول أوروبية وجودها العسكري هناك.
محاولات فاشلة لحل الأزمة: جولة المفاوضات الأخيرة
عقد نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، ووزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن (خلال فترة ولاية ترامب كان ماركو روبيو)، اجتماعاً مع وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، ووزيرة خارجية غرينلاند، فيفيان موتسفيلدت، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة. لكن هذه الجهود باءت بالفشل، حيث أكد راسموسن وجود “خلاف أساسي” وعدم قدرته على تغيير موقف ترامب. موتسفيلدت كررت موقفها القاطع، مؤكدة رفض غرينلاند لأي شكل من أشكال السيطرة أو الحكم من قبل أي طرف خارجي، أو أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة.
الاجتماع، الذي جاء بعد تصريحات ترامب المثيرة للجدل، كان يهدف إلى تهدئة الأوضاع، لكن الرئيس السابق لا يزال مصراً على عزمه ضم غرينلاند. وعلى الرغم من الاتفاق على تشكيل “فريق عمل رفيع المستوى” لمواصلة الحوار، يرى الكثيرون أن هذا مجرد تكتيك للمماطلة، في ظل إصرار ترامب المستمر على أن الجزيرة يجب أن تكون “تحت السيطرة الأميركية”.
“القبة الذهبية” كذريعة أم مصلحة استراتيجية؟
في البداية، حاول البيت الأبيض تبرير اهتمامه بغرينلاند من خلال الادعاء بوجود نشاط روسي وصيني مشبوه قبالة سواحلها. لكن بعد أن فقد هذا الادعاء مصداقيته، ظهرت فكرة جديدة وهي “القبة الذهبية”، وهي مبادرة دفاعية صاروخية متعددة الطبقات. يركز ترامب الآن على أن السيطرة الكاملة على غرينلاند ضرورية لنجاح هذا النظام، القادر على اعتراض التهديدات الصاروخية، بما في ذلك الصواريخ فرط الصوتية.
وقد دعم نائب الرئيس بنس هذا الموقف، مشيراً إلى أن “كل البنية التحتية اللازمة للدفاع ضد الصواريخ تعتمد جزئياً على غرينلاند”. ومع ذلك، تشغل القوات الفضائية الأميركية بالفعل قاعدة “بيتوفيك” الفضائية في غرينلاند، والتي توفر تغطية رادارية شاملة.
ويرفض الخبراء فكرة أن ضم الجزيرة ضروري لـ “القبة الذهبية”، مشيرين إلى أن الاتفاقات القائمة، مثل “اتفاق غرينلاند” للدفاع عام 1951، تسمح بالفعل بتوسيع المشروع وإجراء أي تحديثات ضرورية. ويعتقد الكثيرون أن حجة “القبة الذهبية” ما هي إلا غطاء إيديولوجي لرغبة في توسيع النفوذ الأميركي. وزير الخارجية الدنماركي أكد أنه لا يوجد دليل على اهتمام روسيا أو الصين باستعمار الجزيرة، مما يقوض الحجة الأساسية للإدارة الأميركية.
عرض شراء غرينلاند: جدية أم ضغط سياسي؟
لم يكتف ترامب بالتصريحات، بل كلف وزير الخارجية ماركو روبيو بتقديم اقتراح رسمي لشراء غرينلاند بمبلغ 700 مليار دولار. وعلى الرغم من أن التهديدات العسكرية تبدو مجرد أسلوب للضغط على الدنمارك، إلا أن العرض المالي قدم على أنه “جاد”.
لكن الدنمارك رفضت الفكرة بشدة، وانتقد راسموسن النموذج الاجتماعي الأميركي، قائلاً: “لا يمكن للولايات المتحدة بأي حال من الأحوال أن تدفع تكاليف نظام رعاية اجتماعية إسكندنافي أو كما هو في غرينلاند”. ورد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، بشكل حاسم، معلناً: “نحن نختار الدنمارك، ونختار حلف الناتو، ومملكة الدنمارك، والاتحاد الأوروبي”.
نيلسن، الذي يمثل تياراً مؤيداً للأعمال، يسعى إلى جذب الاستثمارات الأميركية، لكنه يرفض معاملة غرينلاند كغنيمة حرب.
انقسام في الكونغرس حول مستقبل غرينلاند
الأزمة لم تقتصر على العلاقات التنفيذية، بل امتدت إلى الكونغرس الأميركي. فقد قدم السيناتور الجمهوري راندي فاين إطاراً قانونياً للاعتراف بغرينلاند كولاية أميركية رقم 51، معتبراً إياها “مورداً حيوياً للأمن القومي”.
في المقابل، قدم النائب الديمقراطي جيمي غوميز “قانون حماية سيادة غرينلاند”، الذي يهدف إلى منع استخدام الأموال الفيدرالية “لغزو الجزيرة، أو ضمها، أو شرائها، أو الاستحواذ عليها بأي شكل من الأشكال”. ويحظر القانون تمويل أي زيادة في القوات أو حملات التأثير التي تهدف إلى التأثير على الرأي العام في غرينلاند.
حتى داخل الحزب الجمهوري، هناك خلاف حول هذا الموضوع. النائب توماس ماسي سخر من الفكرة، مشيراً إلى أن ملفات جيفري إبستين قد تكون موجودة في غرينلاند، مما قد ينهي اهتمام الإدارة بها. كما قدم عدد من المشرعين من كلا الحزبين مشروع قانون يؤكد على الشراكة بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، ويشدد على أهمية الوفاء بالالتزامات التعاهدية وحل النزاعات سلمياً.
الرد الأوروبي: تعزيز الوجود العسكري في القطب الشمالي
ردت الحكومة الدنماركية بتأكيدها أن جنودها سيردون بإطلاق النار على أي غزو للجزيرة. وقد خصصت الدنمارك حوالي 6.5 مليار دولار لتعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي، بعد أن قلل ترامب من شأن دفاعاتها، واصفاً إياها بـ “الزلاجات”. وأعلنت القوات المسلحة الدنماركية وحلفاؤها الأوروبيون عن زيادة وجودهم العسكري في غرينلاند.
وقامت دول أوروبية مختلفة بإرسال قوات صغيرة رمزية إلى غرينلاند، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج وهولندا والمملكة المتحدة. على الرغم من أن هذه القوات لا يمكنها التغلب على القوات الأميركية المتمركزة في قاعدة “بيتوفيك”، إلا أن هدفها الأساسي هو سياسي، وهو إظهار التضامن الأوروبي ودعم سيادة غرينلاند.
وقد وصفت التصريحات الصادرة من العواصم الأوروبية بأنها “كارثية”، حيث حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ومفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي من أن أي عمل عسكري أميركي ضد دولة عضو في حلف الناتو قد يؤدي إلى تفكك الحلف.
مستقبل غامض ومأزق دبلوماسي
من المقرر أن يجتمع “فريق العمل رفيع المستوى” في كوبنهاغن الشهر المقبل، لكن التوقعات ضئيلة. ويبدو أن الإدارة الأميركية مصممة على الاستحواذ على الجزيرة، على الرغم من المأزق الدبلوماسي. هناك مخرج واضح، وهو أن يعترف البيت الأبيض بأن السيادة ليست سلعة قابلة للتفاوض.
يمكن معالجة المخاوف الأمنية المتعلقة بـ “القبة الذهبية” من خلال اتفاقية الدفاع القائمة، والتي خدمت مصالح الولايات المتحدة لعقود. وفيما يتعلق بالمعادن الحيوية، يجب على الولايات المتحدة السعي للحصول عليها من خلال الدبلوماسية التجارية والمشاريع المشتركة التي تحترم المعايير البيئية العالية في غرينلاند.
على الرغم من أن وجود القوات الأوروبية المتمركزة حالياً في غرينلاند لن يمنع أي عمل عسكري أميركي محتمل، إلا أنه يثير سؤالاً مهماً: كيف أصبحنا نحن التهديد الذي يحتاج حلفاؤنا أنفسهم إلى الحماية منه؟ هذا السؤال يختتم هذه الأزمة المعقدة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وأهمية احترام السيادة الوطنية في عالم متغير.
