في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، تتجه كندا نحو إعادة تقييم علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع الصين. هذه الخطوة تأتي في وقت تسعى فيه بكين لتعزيز نفوذها العالمي، وتقديم نفسها كبديل جذاب للدول الغربية المحبطة من السياسات التجارية الأمريكية. الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين تمثل نقطة تحول محتملة في هذه العلاقات، وتفتح الباب أمام آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي. هذه المقالة ستتناول تفاصيل هذه الزيارة، دوافعها، والتحديات التي قد تواجهها، مع التركيز على مصطلح العلاقات الكندية الصينية ككلمة مفتاحية رئيسية.
تحول في السياسة الخارجية: كندا تسعى لتعزيز العلاقات الكندية الصينية
يمثل اجتماع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين، علامة فارقة في مسار العلاقات الكندية الصينية. فقد أشاد شي جينبينغ بالتحول الإيجابي الأخير في العلاقات الثنائية، بينما أكد الجانبان على رغبتهما في تعزيز التجارة والاستثمار. هذه الخطوة تأتي في أعقاب سنوات من التوتر والجمود، وتتزامن مع سعي الصين الحثيث لكسب حلفاء جدد، خاصةً من بين الدول التي تعبر عن استيائها من السياسات الحمائية التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
دوافع كندا لتنويع شراكاتها التجارية
لطالما كانت الولايات المتحدة الشريك التجاري الأكبر لكندا، ولكن مع تزايد القيود التجارية التي فرضتها إدارة ترامب، أدركت أوتاوا ضرورة تنويع اقتصاداتها. أصبح الاعتماد المفرط على سوق واحد يشكل تهديدًا للاقتصاد الكندي، مما دفع الحكومة إلى البحث عن أسواق جديدة وفرص استثمارية متنوعة. في هذا السياق، تبرز الصين كشريك تجاري واعد، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 80 مليار دولار أمريكي خلال العام الماضي.
ومع ذلك، يدرك كارني جيدًا أن الصين لن تحل محل الولايات المتحدة كقوة دافعة للنمو الاقتصادي الكندي في المستقبل القريب. فحجم التجارة بين كندا والولايات المتحدة لا يزال يتجاوز تريليون دولار، وهو ما يمثل ضعف حجم التجارة مع الصين. لكن، كما صرح كارني للرئيس الصيني، يمكن لبناء علاقة جديدة أن تتكيف مع “الواقع العالمي الجديد”، وتستفيد من نقاط القوة السابقة مع معالجة التحديات الحالية. التجارة مع الصين تمثل فرصة لتقليل الاعتماد على سوق واحد، وزيادة المرونة الاقتصادية لكندا.
تجاوز الماضي: نحو صفحة جديدة في العلاقات الثنائية
شهدت العلاقات الكندية الصينية فترة صعبة بدأت في عام 2018، مع اعتقال المديرة المالية لشركة هواوي، منغ وانتشو، في كندا بناءً على طلب الولايات المتحدة. ردت الصين باعتقال اثنين من المواطنين الكنديين، اللذين بقيا رهن الاعتقال لمدة ثلاث سنوات تقريبًا. تم حل هذه الأزمة في عام 2021، بعد السماح لمنغ وانتشو بالعودة إلى الصين.
الآن، يبدو أن البلدين مستعدان لتجاوز هذه الخلافات والتركيز على المستقبل. زيارة كارني تأتي بعد زيارات مماثلة لقادة أوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، مما يعكس رغبة الصين في تحسين صورتها على الساحة الدولية، وتقديم نفسها كقوة مستقرة وموثوقة.
التحديات والعقبات التي تواجه التعاون الكندي الصيني
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي يرافق هذه التطورات، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تعيق تحقيق تعاون كامل بين كندا والصين. أحد أبرز هذه التحديات هو الفائض التجاري الضخم للصين، والذي يثير قلقًا في العديد من الدول الغربية. فقد سجل الفائض التجاري الصيني رقمًا قياسيًا بلغ حوالي 1.2 تريليون دولار في العام الماضي، مما يشير إلى أن الصين لا تزال تعتمد بشكل كبير على الصادرات، وأن وارداتها من السلع الكندية لا تزال محدودة.
بالإضافة إلى ذلك، لا يزال دعم الصين لروسيا وكوريا الشمالية يثير شكوكًا عميقة في الغرب. هذه التحركات تقوض جهود الصين لتقديم نفسها كقوة مسؤولة وداعمة للنظام الدولي. كما أن النزاعات التجارية القائمة، مثل الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية الكندية والسيارات الكهربائية الصينية، تحتاج إلى حلول ملموسة.
مذكرات التفاهم والخطوات العملية
خلال زيارته، وقّع رئيس الوزراء كارني وممثلو الحكومة الصينية مذكرات تفاهم في مجالات مختلفة، بما في ذلك الطاقة ومكافحة الجريمة. تهدف هذه المذكرات إلى توفير “الأساس لشراكة استراتيجية جديدة”، ولكنها لا تمثل اتفاقيات ملزمة قانونًا.
وقبل الزيارة، حاول المسؤولون الكنديون التقليل من التوقعات بشأن تحقيق اختراقات كبيرة. كما أشار السفير الصيني في كندا إلى أن بلاده ستتخلى عن تعريفة جمركية بنسبة 76% على بذور الكانولا، مقابل تخلي كندا عن تعريفة جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، مما يدل على وجود بعض التقدم في حل النزاعات التجارية.
مستقبل العلاقات الكندية الصينية
إن مستقبل العلاقات الكندية الصينية يعتمد على قدرة البلدين على بناء الثقة المتبادلة، ومعالجة التحديات القائمة، والاستفادة من الفرص المتاحة. من الواضح أن الصين تسعى إلى تعزيز نفوذها العالمي، وتقديم نفسها كبديل جذاب للدول الغربية. وفي الوقت نفسه، تسعى كندا إلى تنويع شراكاتها التجارية، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
من خلال الحوار البناء والتعاون المثمر، يمكن لكندا والصين أن تبنيا علاقة قوية ومستدامة، تفيد اقتصاداتهما وشعبيهما. ومع ذلك، يجب على أوتاوا أن تظل حذرة وأن تدافع عن مصالحها وقيمها، وأن لا تتجاهل المخاوف المشروعة التي تثيرها السياسات الصينية. الاستثمار في الصين و التجارة مع الصين يجب أن يتم بحذر ووعي كامل بالمخاطر المحتملة.
