في السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن الأطعمة فائقة المعالجة وتأثيرها على صحتنا. لم تعد هذه الأطعمة مجرد بدائل سريعة ومريحة، بل أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من النظام الغذائي العالمي، مما أثار قلقاً متزايداً بين الخبراء. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، جمعت مجلة “ذا لانسيت” الطبية المرموقة نخبة من علماء وباحثي التغذية لمراجعة أحدث الأدلة العلمية حول هذه القضية، وكانت النتائج مقلقة للغاية. تشير الدراسات إلى أن الإفراط في تناول هذه الأطعمة لا يؤثر سلباً على الصحة فحسب، بل قد يكون له عواقب وخيمة على مختلف أجهزة الجسم.
ما هي الأطعمة فائقة المعالجة؟
قبل الخوض في التفاصيل، من المهم تحديد ما هي الأطعمة فائقة المعالجة. هذه الأطعمة تتميز بأنها خضعت لعمليات تحويل صناعية متعددة، وغالباً ما تحتوي على مكونات غير موجودة في الأطعمة التقليدية، مثل المواد المضافة، والمستحلبات، والملح، والسكر، والدهون المصنعة بكميات كبيرة. أمثلة على هذه الأطعمة تشمل الوجبات الجاهزة المجمدة، والمشروبات الغازية، والحلويات الصناعية، ورقائق البطاطس، واللحوم المصنعة، وبعض أنواع الخبز وحبوب الإفطار. الهدف الأساسي من إنتاجها ليس التغذية، بل تحقيق أقصى قدر من الربح من خلال إطالة مدة الصلاحية وتحسين المذاق والملمس.
تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على الصحة: نظرة شاملة
خلصت دراسة “ذا لانسيت” إلى أن الأطعمة فائقة المعالجة مرتبطة بمجموعة واسعة من المشكلات الصحية، بما في ذلك السمنة، وأمراض القلب، والسكري من النوع الثاني، والسرطان، والأمراض العصبية. ويقول كريس فان توليكن، أستاذ في كلية لندن الجامعية، إن سوء التغذية المرتبط بهذه الأطعمة أصبح يتجاوز التدخين كسبب رئيسي للوفاة المبكرة على مستوى العالم. هذا التأثير الشامل يعود إلى التركيبة الفريدة لهذه الأطعمة، والتي تفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية وتحتوي على كميات كبيرة من المكونات الضارة.
الكبد في خطر: العلاقة بين الأطعمة فائقة المعالجة ومرض الكبد الدهني
أحد أكثر الأعضاء تأثراً بـ الأطعمة فائقة المعالجة هو الكبد. أظهرت دراسة أجريت عام 2023 في جامعة ليفربول على أكثر من 60 ألف شخص، أن زيادة استهلاك هذه الأطعمة يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني. هذه الحالة الخطيرة تتميز بتراكم الدهون في الكبد، مما يؤدي إلى التهابه وتليفه، وفي النهاية إلى فشل الكبد.
المواد الكيميائية الصناعية وتأثيرها على الكبد
بالإضافة إلى ارتفاع السعرات الحرارية والدهون، تحتوي العديد من الأطعمة فائقة المعالجة على مواد كيميائية صناعية موجودة في عبواتها. هذه المواد يمكن أن تعطل عمل الهرمونات في الجسم، وقد تساهم في تطور مرض الكبد الدهني. الجسم يجد صعوبة في معالجة هذه الكميات الكبيرة من السعرات الحرارية والدهون، مما يضطره إلى تخزينها في الكبد.
الأمعاء: محور الأزمة
تلعب الأمعاء دوراً حيوياً في تنظيم الشهية، ولكن قدرتها على القيام بذلك تعتمد على “مصفوفة الطعام” – البنية الطبيعية للأطعمة الكاملة. الأطعمة فائقة المعالجة، بفضل عمليات التصنيع التي تخضع لها، تفقد هذه المصفوفة، مما يعطل الإشارات الطبيعية التي ترسلها الأمعاء إلى الدماغ. هذا يؤدي إلى الإفراط في الأكل وعدم الشعور بالشبع، وبالتالي زيادة تخزين الدهون في الجسم، بما في ذلك الكبد.
تأثير المضافات الغذائية على صحة الأمعاء
تثير الدراسات الحديثة مخاوف بشأن تأثير بعض المضافات الغذائية الموجودة في الأطعمة فائقة المعالجة على صحة الأمعاء. تشير الأبحاث إلى أن هذه المضافات قد تسبب التهابات في الأمعاء، مما يزيد من خطر الإصابة بداء كرون، وقد يساهم في تطور سرطان القولون.
القلب والدماغ: أهداف أخرى للأطعمة فائقة المعالجة
لا يقتصر تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على الكبد والأمعاء. فقد أظهرت الدراسات أن الإفراط في تناولها يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل السكتات الدماغية وأمراض القلب التاجية. كما أن لها تأثيراً سلبياً على الدماغ، حيث يمكن أن تؤدي إلى الاكتئاب والقلق وتدهور الوظائف المعرفية. هذا التأثير يعود إلى قدرتها على إحداث التهابات في الجسم وتعطيل عمل الميكروبيوم المعوي، الذي يلعب دوراً هاماً في صحة الدماغ.
ما الذي يمكن فعله؟
الحد من استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة هو خطوة أساسية نحو تحسين الصحة العامة. يمكننا البدء بقراءة الملصقات الغذائية بعناية واختيار الأطعمة الكاملة والطبيعية قدر الإمكان. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومات اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتنظيم إنتاج وتسويق هذه الأطعمة، مثل فرض ضرائب أعلى عليها ووضع ملصقات تحذيرية واضحة. إن تغيير عاداتنا الغذائية يتطلب جهداً واعياً، ولكنه استثمار ضروري في صحتنا ومستقبلنا. التركيز على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الطبيعية هو المفتاح للحفاظ على صحة جيدة والوقاية من الأمراض المزمنة.