أثارت زيارة النجمة أنجيلينا جولي إلى معبر رفح من الجانب المصري موجة من ردود الفعل القوية بين الفلسطينيين، تتراوح بين الإعجاب والتحسر. لم تقتصر هذه الردود على مجرد التعبير عن الامتنان، بل اتجهت نحو مقارنة مؤثرة بين مبادرة فنانة هوليوودية وبين غياب ملحوظ للفنانين العرب عن التفاعل المباشر مع مأساة الحرب على غزة. ففي الوقت الذي بدأت فيه أنجيلينا عامًا جديدًا بلمسة إنسانية على أرض فلسطين، بدا الكثير من الفنانين والنجوم العرب منشغلين بالفعاليات الاجتماعية وحفلات استقبال العام الجديد. هذا التباين أثار تساؤلات مشروعة حول دور الفنان العربي ومسؤوليته المجتمعية، خاصةً تجاه القضايا التي تلامس قلب الأمة.
أنجيلينا جولي: إنسانية تتجاوز الشهرة
تعتبر أنجيلينا جولي أيقونة سينمائية عالمية، لكنها أيضًا معروفة بالتزامها الإنساني العميق. هذه الزيارة ليست الأولى لها إلى مناطق الصراع والنزوح؛ فقد بدأت مسيرتها في هذا المجال مع الأمم المتحدة في أوائل العام 2001 كسفيرة للنوايا الحسنة، زارت خلالها عشرين دولة حول العالم، بما في ذلك أفغانستان والسودان وتشاد. لكن ربما كانت شرارة هذا الاهتمام الإنساني قد بدأت مع فيلمها الشهير “تومب رايدر” الذي صورته في كمبوديا عام 2000، حيث تعرفت عن كثب على واقع الفقر والنزوح الذي يعيشه الكثيرون.
لم تكتفِ جولي بالزيارات الميدانية، بل قدمت تبرعات كبيرة لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وأسست جمعيات تهدف إلى تقديم المساعدة القانونية والتعليمية للأطفال المتضررين من الحروب والصراعات. هذا العمل الدؤوب حاز على تقدير واسع النطاق، وتوج بالعديد من الجوائز التي تعكس تأثيرها الإيجابي في تسليط الضوء على قضايا اللاجئين والمهمشين والدفاع عن حقوقهم.
أين الفنان العربي في مواجهة الأزمة؟
التباين الصارخ بين مبادرة أنجيلينا جولي وغياب أو قلة مبادرات مماثلة من الفنانين العرب، يلقي بظلاله على المشهد الثقافي العربي. في حين أن البعض قد يكتفون بكلمات الدعم والمواساة عبر وسائل التواصل الاجتماعي – مجرد “بوست” كما ذكر النص الأصلي – قد يذهب آخرون أبعد من ذلك في إظهار التناقض، مثل محمد رمضان الذي أثار جدلاً واسعًا بحضوره سهرة مع عائلة الرئيس ترامب، في الوقت الذي كان فيه ترامب يقدم دعمًا غير مشروطًا للحرب على غزة.
هذا الفعل، وغيره، يثير سؤالاً جوهرياً: ما هو دور الفنان العربي في التعبير عن معاناة شعبه وتمثيل قضاياه العادلة؟ هل يقتصر دوره على الترفيه والتسلية، أم يتعداه إلى أن يكون ضميرًا للأمة وناطقًا باسم المظلومين؟ المقارنة تبرز بشكل مؤلم حجم الخيبة التي يعيشها الكثير من العرب.
زمن الفنان الملتزم… هل انتهى؟
يبدو أننا بعيدون عن زمن الفنانين الذين لم يترددوا في التعبير عن مواقفهم الوطنية والقومية، والذين خاطروا بشعبيتهم ومصالحهم من أجل دعم قضاياهم. نتذكر كيف توجه الفنانون إلى قلب بيروت المحاصرة عام 1982 للتضامن مع المقاتلين والوقوف مع ياسر عرفات. ونتذكر أيضًا فيلم نور الشريف عن ناجي العلي، الذي تجسد فيه التزام الفنان بالقضية الفلسطينية.
أمثلة مشرفة في تاريخ الفن العربي
لم يخل تاريخ الفن العربي من الأمثلة المشرفة، مثل إحياء أم كلثوم لحفلات بهدف دعم المجهود الحربي، وزيارة عادل إمام إلى مطار غزة لمشاركة الفلسطينيين فرحة استعادة جزء من أراضيهم. هذه المبادرات وغيرها، تؤكد أن الفنان العربي قادر على أن يكون قوة إيجابية للتغيير والدفاع عن الحقوق.
المثقف العربي: صمت مرفوض
لا يقتصر هذا القصور على الفنانين فقط، بل يمتد ليشمل المثقفين العرب بشكل عام. الكثير منهم يكتفون بالكلمات الرنانة والشعارات الجوفاء، ويخشون اتخاذ مواقف صريحة قد تثير غضب الأنظمة التي يعيشون في ظلها. الصمت هنا ليس دليلًا على البراءة، بل هو شكل من أشكال التواطؤ مع الظلم والقمع.
ومع ذلك، يجب أن نتذكر أن الفنان العربي جزء من النظام العربي العام، ولذلك فإن مواقفه غالبًا ما تكون مرآة عاكسة للقيود والضغوط السياسية التي يعيش تحتها. ففي فترات الحكم التسلطي، كان الفنان مجرد أداة في يد النظام، لصنع الدعاية وتمجيد الحكام.
“سلمان الغانم” المعاصر: رمز الانتهازية
يمكن تشبيه حال الفنان العربي المعاصر بشخصية “سلمان الغانم” التي أبدع في تجسيدها الفنان صلاح السعدني في مسلسل “ليالي الحلمية”. “سلمان الغانم” هو نموذج للانتهزية والتحول تبعًا للمصالح الشخصية، فهو يغير مواقفه وولاءاته بتغير الظروف السياسية. هذا التشابه المؤلم يوضح أن الفنان العربي غالبًا ما يكون أكثر اهتمامًا بحماية مصالحه الشخصية والحفاظ على علاقاته مع السلطة، من أن يكون صوتًا للحق والعدالة.
النتيجة النهائية هي غياب الوعي الحقيقي وعدم قيام الفنان بدوره الطليعي في التأثير الإيجابي على الرأي العام. فالموضة، المجوهرات، والإعلانات هي التي تستحوذ على اهتمام الفنان، بينما يتم إهمال القضايا المصيرية التي تهم الأمة.
في الختام، زيارة معبر رفح من أنجيلينا جولي تمثل تذكيرًا قويًا ومؤلمًا بدور الفنان والمثقف في المجتمع، وتشير إلى الحاجة الملحة لإعادة النظر في دور الفنان العربي ومسؤوليته تجاه قضايا أمته، خاصة في ظل الأزمات الكبيرة التي تشهدها المنطقة مثل الحرب على غزة. يجب أن يكون الفنان العربي أكثر من مجرد صورة أخرى للنظام العربي العام، بل يجب أن يكون ضميرًا حيًا للأمة، وناطقًا باسم المظلومين.
