في تجربة فريدة تجمع بين تحدي الذات وتحقيق الإنجاز، تبرز قصة صفاء المهري، أول إماراتية تحصل على سبع رخص قيادة لمختلف أنواع المركبات في دولة الإمارات العربية المتحدة. لم تكن هذه الرحلة مجرد تحقيق رقم قياسي، بل هي قصة تحول شخصي بدأت بحاجة عائلية، ثم تطورت إلى مهنة، وأخيراً إلى رسالة مجتمعية ملهمة. صفاء المهري، من خلال كسرها لحاجز الخوف، أثبتت أن الإرادة والعزيمة يمكن أن تصنعا الأثر الإيجابي في المجتمع، وأن رخصة قيادة ليست مجرد وثيقة، بل هي رمز للتمكين والقدرة على التغيير.
من حاجة عائلية إلى شغف مهني: قصة صفاء المهري
بدأت رحلة صفاء المهري مع القيادة في عام 2015، عندما كان زوجها يدرس خارج الدولة، مما فرض عليها مسؤولية رعاية طفلها ذي الاحتياجات الخاصة بمفردها. تقول صفاء: “كان ابني يحتاج إلى مواعيد طبية وزيارات متكررة، مما دفعني إلى الحصول على رخصة قيادة مركبة خفيفة، على الرغم من معاناتي من رهاب قيادة السيارات.” هذه الضرورة تحولت إلى فرصة لتحدي نفسها والتغلب على مخاوفها. فبعد أن أتقنت القيادة، اكتشفت متعة وفائدة هذا العالم، ولم تعد القيادة مجرد وسيلة للضرورة، بل أصبحت جزءاً من حياتها.
التدريب على القيادة: تحول الشغف إلى مهنة
بعد سنوات من القيادة اليومية، بحثت صفاء عن عمل يناسب المرحلة الجديدة من حياتها. وجدت فرصة لتدريب الفتيات على القيادة، ولم تتردد في تقديم طلبها. “أردت أن أساعد النساء الأخريات على التغلب على خوفهن من القيادة، وأن أشاركهن تجربتي في كسر هذا الحاجز.” مع انتقالها من القيادة الأوتوماتيكية إلى اليدوية، شعرت صفاء بشغف أكبر وسيطرة أكبر على المركبة. هذا الشغف دفعها إلى السعي للحصول على المزيد من الرخص، لتثبت قدراتها في مجال القيادة.
إثبات القدرات: سبع رخص قيادة في عامين ونصف
لم تتوقف صفاء عند حدود المركبات الخفيفة، بل تحدت نفسها للحصول على رخص قيادة لمختلف أنواع المركبات الثقيلة. واجهت بعض التحديات والشكوك من البعض، الذين يرون أن مجال القيادة الثقيلة مقتصر على الرجال. لكنها أصرت على إثبات قدراتها، ونجحت في الحصول على سبع رخص قيادة، تشمل المركبة الخفيفة، والدراجة النارية، والحافلة الخفيفة، والحافلة الثقيلة، والشاحنة الثقيلة، بالإضافة إلى نوعين من المعدات الثقيلة، وذلك في مدة لم تتجاوز عامين ونصف العام. تعتبر صفاء أن قيادة الدراجة النارية كانت الأصعب، لأنها تتطلب تركيزاً عالياً وتوازناً ومزاجاً جيداً.
“ضابط مدرب” وموجهة للجيل القادم
بعد ترقيتها إلى درجة “ضابط مدرب”، أصبحت صفاء مسؤولة عن مراقبة وتوجيه المدربين والطلبة. ركزت على تعليم آداب الطريق ونزع الخوف من القيادة. “عندما يعرف الطلبة أنني أحمل سبع رخص قيادة، يتغير نظرتهم للتحدي، ويشعرون بأن المستحيل يمكن أن يصبح ممكناً.” هذا التأثير الإيجابي يعكس قوة الإلهام التي تتمتع بها صفاء. إن حصولها على رخصة قيادة لكل هذه الأنواع من المركبات لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل أصبح رمزاً للتمكين للمرأة الإماراتية.
العمل الإنساني والتطوع: رسالة مجتمعية
لم تقتصر مسيرة صفاء المهري على المجال المهني، بل امتدت إلى العمل الإنساني والتطوع. بدأت رحلتها في هذا المجال من خلال مرافقة ابنها إلى مؤسسة زايد لأصحاب الهمم، ثم انضمت إلى فريق “ساند” وشاركت في العديد من المبادرات الإنسانية والمجتمعية. تلقت صفاء العديد من التكريمات، آخرها من الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والكوارث في أبوظبي، تقديراً لمشاركتها في حملة “الفارس الشهم”.
ريادة الأعمال: مشروع “رزمة”
انطلاقاً من خبرتها الحياتية وشغفها بالتطوع والعمل الميداني، قررت صفاء المهري دخول عالم ريادة الأعمال وتأسيس مشروع “رزمة”، الذي يقدم خدمات متكاملة لتنظيم الفعاليات والاحتفالات. تؤكد صفاء أن هذا المشروع هو امتداد لطبيعتها الطموحة ورغبتها في صناعة قيمة مضافة للمجتمع. إن رخصة قيادة لم تفتح لها أبواباً في مجال القيادة فقط، بل ساهمت أيضاً في توسيع آفاقها وفتح فرص جديدة في عالم الأعمال.
رسالة إلى المرأة الإماراتية
في ختام حوارها، وجهت صفاء المهري رسالة إلى المرأة الإماراتية: “آمني بنفسك وبقدراتك على الإنجاز، وكوني قوية ومجتهدة، والأهم لا تسمحي للخوف بأن يقرر عنك، فالطموح وقود النجاح، والفرص متاحة في وطننا الذي يرعى دوماً أبناءه وبناته.” قصة صفاء المهري هي قصة ملهمة تثبت أن الإرادة والعزيمة يمكن أن تحولا الأحلام إلى واقع، وأن رخصة قيادة يمكن أن تكون بداية لمسيرة حافلة بالإنجازات والنجاحات. إنها دعوة لكل امرأة إماراتية لتحدي نفسها وتحقيق طموحاتها، والمساهمة في بناء مستقبل أفضل لوطنها.
