وسط أجواء تاريخية ومشاعر جياشة، أدى زهران ممداني اليمين الدستورية ليصبح عمدةً لمدينة نيويورك. هذا الحدث، الذي جرى منتصف ليل الخميس في محطة مترو أنفاق قديمة خارج الخدمة في مانهاتن، يمثل لحظة فارقة في تاريخ المدينة والولايات المتحدة، حيث أصبح ممداني أول قائد مسلم يتولى هذا المنصب الرفيع. فوز زهران ممداني في الانتخابات المحلية في نوفمبر الماضي، أرسى معالم حقبة جديدة في أدارة المدينة، وملأ قلوب الكثيرين بالأمل والتفاؤل.
مسيرة تاريخية نحو أدارة مدينة نيويورك
تمت مراسم أداء القسم بشكل خاص، برعاية المدعية العامة لولاية نيويورك، ليتيتيا جيمس، وهي حليفة سياسية قوية لممداني. اختيرت محطة مترو “أولد سيتي هول” كموقع للاحتفال، وهي من أقدم محطات المترو في المدينة وتتميز بسقوفها المقوسة الرائعة التي تعكس عراقة نيويورك وتراثها الحضاري. هذا الاختيار الرمزي لم يكن مجرد مصادفة، بل أراد ممداني من خلاله التأكيد على أهمية البنية التحتية وخدمة النقل العام لجميع سكان المدينة.
اليمين الدستورية بمصحف مقدس
أدى ممداني، وهو سياسي اشتراكي ديمقراطي يبلغ من العمر 34 عامًا، القسم وهو يضع يده على نسخة من القرآن الكريم، وهو ما يمثل سابقة تاريخية في أداء القسم لعمدة مدينة نيويورك. حضر المراسم زوجته، راما دوجي، ذات الأصل السوري، مما أضفى على اللحظة طابعًا شخصيًا وعائليًا.
وعلى الرغم من أن الدستور الفيدرالي ودساتير الولايات والمدن لا تشترط استخدام نص ديني معين لأداء القسم، إلا أن ممداني اختار استخدام المصحف الشريف كتعبير عن هويته وقيمه الدينية. في الواقع، وضع ممداني يده على مصحفين خلال المراسم، أحدهما يعود إلى جده والآخر نسخة قديمة يعود تاريخها إلى أواخر القرن الثامن عشر أو أوائل القرن التاسع عشر، وهي جزء من المجموعة الثمينة الموجودة في “مركز شومبرج للأبحاث في ثقافة السود” التابع لمكتبة نيويورك العامة.
تصريحات العمدة الجديد ورؤيته المستقبلية
في خطاب قصير ومؤثر، أعرب ممداني عن عميق شكره وتقديره للثقة التي أولاها إياه سكان نيويورك، واصفًا اللحظة بأنها “شرف وامتياز العمر”. كما أكد على أهمية محطة المترو القديمة كرمز لأهمية النقل العام في حياة المدينة، مشيرًا إلى ذلك خلال إعلانه عن تعيين مفوض النقل الجديد، مايك فلين.
وختم العمدة الجديد كلمته بابتسامة ودية قائلاً: “شكراً جزيلاً لكم جميعاً، والآن أراكم لاحقاً”، قبل أن يصعد الدرج وسط تصفيق الحاضرين. ومن المقرر أن يقيم ممداني حفلًا عامًا أكثر رسمية في قاعة المدينة في الساعة الواحدة ظهرًا بالتوقيت المحلي (6 مساءً بتوقيت جرينتش)، بحضور شخصيات بارزة مثل السيناتور بيرني ساندرز، الذي يعتبره ممداني من أبطاله السياسيين.
تحديات تنتظر زهران ممداني
يتولى زهران ممداني مقاليد الحكم في مدينة نيويورك في وقت يواجه فيه سكانها العديد من التحديات، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة، وقضايا الإسكان، والتعامل مع آثار جائحة كوفيد-19. لقد وعد ممداني خلال حملته الانتخابية بإجراء تغييرات جذرية لمعالجة هذه المشكلات، من خلال سياسات تهدف إلى توفير رعاية مجانية للأطفال، وحافلات مجانية، وتجميد الإيجارات، وإنشاء متاجر للبقالة تديرها المدينة.
أولويات الأيام القادمة
بالإضافة إلى هذه الوعود، سيتعين على ممداني التعامل مع قضايا أساسية مثل إدارة النفايات والثلوج والجرذان، وكيفية تحسين أداء نظام المترو.
وعلى الصعيد السياسي، سيواجه ممداني مهمة التعامل مع الرئيس الجمهوري السابق، دونالد ترامب، الذي هدد في السابق بحجب التمويل الفيدرالي عن المدينة. ولكن على نحو مفاجئ، وجه ترامب دعوة ودية لممداني للبيت الأبيض، معربًا عن استعداده للتعاون معه لتحقيق مصلحة المدينة.
نبذة عن حياة زهران ممداني
ولد زهران ممداني في كمبالا، أوغندا، عام 1991، وهو ابن الأكاديمي محمود ممداني، وهو خبير بارز في دراسات ما بعد الاستعمار، والمخرجة السينمائية ميرا ناير. نشأ ممداني في بيئة متنوعة غنية بالثقافة والمعرفة، حيث عاشت عائلته في الولايات المتحدة والهند وجنوب إفريقيا وأوغندا. حصل على جنسيته الأمريكية في عام 2018.
بدأ ممداني مسيرته السياسية من خلال العمل في حملات انتخابية لمرشحين ديمقراطيين في المدينة، قبل أن يقرر خوض الانتخابات بنفسه. تمكن من الفوز بمقعد في مجلس نواب الولاية عام 2020، ليمثل أحد أقسام حي كوينز. يُحسب لممداني قدرته على حشد القاعدة الانتخابية التقدمية التي استقطبها السيناتور بيرني ساندرز خلال ترشحه للرئاسة.
يمثل فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك بداية فصل جديد في السياسة الأمريكية، ويفتح الباب أمام المزيد من التنوع والشمول في المناصب القيادية.
