كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية في سلسلة تحقيقات صحفية استقصائية – نُشرت على مدار عام كامل – عن علاقة تكاملية وثيقة بين الجيش الإسرائيلي وشركات التقنية الأمريكية الكبرى في وادي السيليكون، بما تحمله من تداعيات مباشرة على طبيعة الحروب المستقبلية ودور الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في العمليات العسكرية. هذه التحقيقات، والتي أثارت جدلاً واسعاً، تلقي الضوء على ما بات يُعرف بـ “التعاون العسكري التكنولوجي” وكيف يشكل هذا التحالف الجديد ملامح ساحات القتال القادمة. الصحيفة نشرت هذه التحقيقات بالتعاون مع مجلة “هاف بوست” وعدد من المؤسسات الإعلامية الأخرى.
التعاون العسكري التكنولوجي: علاقة تكافلية بين تل أبيب ووادي السيليكون
لا يقتصر الأمر على صفقات شراء الأسلحة التقليدية. التحقيقات الاستقصائية لـ “الغارديان” أظهرت أن التعاون بين الجيش الإسرائيلي وشركات التكنولوجيا الأمريكية يتعدى ذلك بكثير، ليشمل مشاريع مشتركة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وتقديم خدمات الحوسبة السحابية الأساسية للعمليات العسكرية الإسرائيلية. وكشفت الصحيفة عن استخدام الجيش الإسرائيلي لأنظمة وتقنيات تم تطويرها وتجربتها في مناطق فلسطينية محتلة.
كيف بدأ التعاون؟
بدأ هذا التعاون يتطور بشكل ملحوظ بعد صعود قوة تنظيم داعش، حيث سعت إسرائيل إلى تعزيز قدراتها الاستخباراتية والتكنولوجية لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. في المقابل، وجدت شركات التكنولوجيا الأمريكية في الجيش الإسرائيلي شريكاً مثالياً لاختبار وتطوير تقنياتها الجديدة في بيئة واقعية، والحصول على ردود فعل قيمة من المستخدمين الفعليين. هذه التجربة، وإن كانت ذات طبيعة عسكرية، توفر للشركات بيانات هائلة لتحسين خوارزمياتها.
دور الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الإسرائيلية
تُعدّ تقنيات الذكاء الاصطناعي جوهر هذا التحالف، حيث يعتمد الجيش الإسرائيلي بشكل متزايد على هذه التقنيات في مجالات متعددة. وقد أبرزت التحقيقات الاستقصائية دور الذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة، واستهداف الأفراد، وتحليل سلوك السكان في المناطق المحتلة.
أنظمة تحديد الأهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي
أشارت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف المحتملة في قطاع غزة والضفة الغربية، مما يثير مخاوف جدية بشأن دقة هذه الأنظمة واحتمالية وقوع أخطاء تؤدي إلى إصابة المدنيين. هذه الأنظمة، والتي تعمل على تحليل كميات هائلة من البيانات، قادرة على توقع الأهداف بناءً على أنماط سلوكية معينة. بالتالي، تزداد الحاجة إلى الرقابة الصارمة لضمان عدم استهداف الأبرياء.
الحوسبة السحابية: البنية التحتية السرية للجيش الإسرائيلي
لا يقلّ دور الحوسبة السحابية أهمية عن دور الذكاء الاصطناعي في هذا التعاون. حيث تعتمد العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل كبير على خدمات الحوسبة السحابية المقدمة من شركات مثل أمازون وغوغل، لتخزين وتحليل البيانات، وتشغيل الأنظمة المعقدة، وتوفير البنية التحتية اللازمة لعمليات الاستخبارات.
المخاوف الأمنية المتعلقة بالبيانات
يثير هذا الاعتماد على الحوسبة السحابية مخاوف أمنية كبيرة، خاصةً فيما يتعلق بإمكانية الوصول إلى البيانات الحساسة من قبل أطراف غير مصرح بها، أو استغلالها لأغراض سياسية أو تجارية. كما أن هذا الاعتماد يجعل الجيش الإسرائيلي عرضة لهجمات إلكترونية محتملة يمكن أن تعطل عملياته وتعرض قواته للخطر. التحالفات التكنولوجية تزيد من تعقيد الأمن السيبراني وأهمية تطوير آليات حماية قوية.
التداعيات الأخلاقية والقانونية
بالإضافة إلى المخاوف الأمنية، فإن هذا التعاون يثير تداعيات أخلاقية وقانونية عميقة. فمن جهة، يُتهم الجيش الإسرائيلي باستخدام التقنيات الجديدة لقمع الشعب الفلسطيني وانتهاك حقوق الإنسان. ومن جهة أخرى، تواجه شركات التكنولوجيا الأمريكية انتقادات حادة بسبب تورطها في هذه الانتهاكات، وتجاهلها للقيم الأخلاقية التي تدعي التمسك بها.
مساءلة الشركات التكنولوجية
المطالبات بمساءلة الشركات التكنولوجية تتزايد، حيث يرى البعض أنها تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن كيفية استخدام تقنياتها من قبل الحكومات والجيوش. يجب على هذه الشركات أن تتبنى سياسات واضحة تضمن عدم استخدام تقنياتها في انتهاك حقوق الإنسان، وأن تتعاون مع الجهات الدولية المعنية لمراقبة وتتبع هذه الانتهاكات.
مستقبل الحروب: نحو صراع يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي
تشير التحقيقات الاستقصائية إلى أن التعاون العسكري التكنولوجي بين إسرائيل وشركات وادي السيليكون يمثل نموذجاً قد يتبعه جيوش ودول أخرى في المستقبل. وبالتالي، فإننا نشهد تحولاً جذرياً في طبيعة الحروب، نحو صراع يعتمد بشكل متزايد على البيانات، والذكاء الاصطناعي، وقدرات الحوسبة السحابية. هذا التحول يتطلب منا جميعاً التفكير ملياً في التداعيات الأخلاقية والقانونية والأمنية لهذه التطورات، والعمل على وضع قواعد وضوابط تضمن استخدام هذه التقنيات بشكل مسؤول وأخلاقي.
الوضع الحالي يدعو إلى مزيد من البحث والتحليل حول الذكاء الاصطناعي في الصراعات، وتأثيره على القانون الدولي الإنساني. من الضروري أيضاً تعزيز الشفافية والمساءلة في الصناعة التكنولوجية، ووضع آليات فعالة لمراقبة وتتبع استخدام التقنيات العسكرية. ما هي الخطوات التالية التي يجب اتخاذها لضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع والظلم؟ شارك برأيك في التعليقات.
