أعلنت 35 دولة منضوية في “تحالف الراغبين” خلال قمة باريس عن اتفاق تاريخي لتقديم ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، وهو ما يمثل تطوراً مهماً في جهود إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. هذه الضمانات، التي تهدف إلى ردع أي عدوان مستقبلي، تشمل نشر قوات متعددة الجنسيات وآلية مراقبة صارمة، مما يعكس التزاماً دولياً متزايداً بدعم سيادة أوكرانيا واستقرارها. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل الأمن الأوروبي ودور القوى الكبرى في المنطقة.

قمة باريس: تفاصيل الضمانات الأمنية لأوكرانيا

القمة التي استضافتها باريس شهدت توافقاً واسعاً على ضرورة توفير بيئة أمنية مستدامة لأوكرانيا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام. الضمانات الأمنية الموقعة ليست مجرد تصريحات، بل تتضمن التزامات محددة من الدول الأعضاء في “تحالف الراغبين”. تشمل هذه الالتزامات:

نشر قوات متعددة الجنسيات

تعهد عدد من الدول بنشر قوات عسكرية داخل أوكرانيا، لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة، وإنشاء مراكز عسكرية للتدريب والمساعدة في الحفاظ على الأمن. يهدف هذا الإجراء إلى إرساء الثقة وتعزيز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها في حال وقوع أي تهديدات.

آلية مراقبة بإشراف أمريكي

تم الاتفاق على إنشاء آلية مراقبة فعالة للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ومنع أي انتهاكات مستقبلية، تحت إشراف الولايات المتحدة. ستلعب هذه الآلية دوراً حيوياً في ضمان الالتزام بالشروط المتفق عليها والحفاظ على الاستقرار.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رحب بشدة بهذه الخطوة، مؤكداً أنها تتجاوز التصريحات الرمزية وتوفر دعماً واقعياً لبلاده. وأضاف أن هذه الوثائق تحدد بوضوح الدول المستعدة للمساهمة في الأمن الأوكراني براً وجواً وبحراً، فضلاً عن تقديم الدعم المالي المستمر لتعزيز الجيش الأوكراني وجهود إعادة الإعمار.

التزامات فرنسا وبريطانيا والتقدم مع الولايات المتحدة

اختتمت قمة باريس بتوقيع إعلان نوايا مشترك من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ينص هذا الإعلان على نشر قوات فرنسية وبريطانية وإنشاء مراكز عسكرية داخل أوكرانيا، في خطوة اعتبرها ماكرون “المفتاح” لضمان عدم اعتبار أي اتفاق سلام بمثابة استسلام.

وفي سياق متصل، كشف زيلينسكي عن تحقيق تقدم كبير في المحادثات مع المبعوثين الأمريكيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بشأن ضمانات أمنية ثنائية بالإضافة إلى الآلية الإشرافية. أشار زيلينسكي إلى أنهم يعملون على تطوير آليات فعالة لمراقبة “انتهاكات السلام” المحتملة. أكد ويتكوف بدوره إنجاز جزء كبير من الاتفاق، معتبراً أن قضية تحديد مستقبل الأراضي المتنازع عليها هي الأكثر تعقيداً وتتطلب تسويات متبادلة. الضمانات الأمنية التي تم التوصل إليها تهدف إلى حماية أراضي أوكرانيا وسيادتها.

تحفظات ألمانية وضرورة التحول إلى التزامات قانونية

على الرغم من الترحيب العام بالاتفاق، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعض التحفظات بشأن نشر قوات ألمانية داخل أوكرانيا. واقترح ميرتس بدلاً من ذلك، أن تركز المشاركة الألمانية على مهام المراقبة من خلال دولة مجاورة، ربما لتجنب التصعيد المباشر مع روسيا. هذا الموقف يعكس التباين في وجهات النظر بين الدول الأوروبية حول أفضل طريقة لتقديم الدعم لأوكرانيا.

وبينما يقدر زيلينسكي نتائج قمة باريس ويراها خطوة مهمة إلى الأمام، شدد على أن هذه الضمانات الأمنية يجب أن تستند إلى التزامات قانونية ملزمة لكي تكون حقيقية وفعالة في ردع أي اعتداء مستقبلي. وحذر من أن الوعود الشفهية وحدها قد لا تكون كافية لضمان الأمن والاستقرار طويل الأجل في أوكرانيا. التحول إلى اتفاقيات ملزمة قانوناً سيحتاج إلى مفاوضات مكثفة مع الدول المعنية.

مستقبل الاستقرار الإقليمي ودور “تحالف الراغبين”

تعتبر هذه الضمانات الأمنية خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام الدائم في أوكرانيا، ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات. يتطلب تنفيذ هذه الضمانات تعاوناً وثيقاً بين جميع الأطراف المعنية، بالإضافة إلى التزام حقيقي من الدول الأعضاء في “تحالف الراغبين” بتوفير الدعم اللازم.

الأمن الإقليمي يعتمد بشكل كبير على نجاح هذه المبادرة. من الضروري أن يتم ذلك بطريقة تضمن عدم تصعيد الموقف وتفتح الباب أمام الحوار والحلول الدبلوماسية. تعد قمة باريس بداية مرحلة جديدة في جهود دعم أوكرانيا، ولكن يجب أن تتبعها خطوات عملية وملموسة لتحويل هذه الضمانات إلى واقع ملموس.

الآن، وبعد هذا التطور الهام، يجب على المجتمع الدولي أن يركز على دعم أوكرانيا في إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، وتعزيز حكم القانون، ومكافحة الفساد. هذا الدعم الشامل سيعزز قدرة أوكرانيا على تحقيق الاستقرار والازدهار في المستقبل. إن مستقبل أوكرانيا والمنطقة يعتمد على هذا التعاون الدولي.

شاركها.
Exit mobile version