في ظلّ الأجواء الروحانية التي تسبق استقبال شهر رمضان المبارك، يلقي الوزير رياض منصور، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، الضوء على واقع مرير يعيشه الشعب الفلسطيني. ففي كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، أكد منصور أن هذا العام يشهد حلول الشهر الكريم وسط حرمان الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وأمان، وهو ما يعكس استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وتصاعدها. هذا الوضع المأساوي يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الممارسات وضمان حقوق الفلسطينيين.
الوضع في الشرق الأوسط: تصعيد إسرائيلي يهدد الاستقرار
ترأس وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر اجتماع مجلس الأمن الدولي الذي تناول الوضع في الشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على القضية الفلسطينية. وخلال الاجتماع، شدد الوزير رياض منصور على أن الهدف الإسرائيلي الأساسي هو إزالة الشعب الفلسطيني من أرضه، والاستيلاء عليها. وأضاف أن الأدوات والأساليب المستخدمة لتحقيق هذا الهدف لم تتغير، بل تطورت لتشمل الاستيطان المتزايد، وإرهاب المستوطنين، والاستيلاء على الأراضي بذرائع مختلفة، وهدم المنازل، وسرقة سجلات الأراضي، وصولاً إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية.
الضم: نهاية الطريق أم فرصة للتحرك؟
أكد منصور أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى الوصول إلى نقطة اللاعودة، وأن الضم بات وشيكاً وواضحاً للعيان. وحذر من أن عدم مواجهة هذه الخطوة سيحدد مستقبل المنطقة بأكملها، ويقوض أسس النظام الدولي القائم. وأشار إلى أن إسرائيل تعتبر الفلسطينيين غرباء في وطنهم، وترفض الاعتراف بهم كأمة، وتدعي الدفاع عن الحضارة من خلال اضطهادهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، وهو ما يمثل عنصراً من العنصرية الجوهرية التي تقوم عليها سياسات غير قانونية.
تصريحات إسرائيلية متطرفة تكشف عن النوايا الحقيقية
نقل الوزير منصور عن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش قوله: “نحن نعزز قبضتنا على الأرض ونقضي على فكرة إقامة دولة فلسطينية في قلب البلاد”. كما استشهد بتصريح سابق لوزير الخارجية الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، والذي دعا فيه إلى تقليص حجم قطاع غزة، معتبراً أن ذلك هو “الثمن الذي يفهمه العرب”. هذه التصريحات، بحسب منصور، تكشف عن النوايا الحقيقية للحكومة الإسرائيلية، وتؤكد أنها لا تسعى إلى السلام، بل إلى تصفية القضية الفلسطينية.
الرفض الدولي للضم وتحدي إسرائيل
أشار منصور إلى أن المجتمع الدولي أدان ورفض الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالضم، حيث انضمت أكثر من 100 دولة ومنظمة إلى بيان بهذا الشأن. كما أعرب جميع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر عن معارضتهم للضم، باعتباره انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومع ذلك، تتحدى إسرائيل هذا الرفض الدولي، وتواصل خطواتها نحو الضم، حتى قبل أيام من اجتماع مجلس السلام في واشنطن، وفي وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية والجهات الإقليمية والدولية إلى تثبيت وقف إطلاق النار الهش في غزة.
تقويض وقف إطلاق النار في غزة
اتهم منصور إسرائيل بتقويض وقف إطلاق النار عبر قتل الفلسطينيين، وتقييد المساعدات الإنسانية، وعرقلة عمل معبر رفح، ومعارضة الدور الطبيعي للحكومة الفلسطينية في غزة. وأوضح أن الفلسطينيين رحبوا بخطة الرئيس ترامب للسلام، لكنهم اعتبروها فرصة لإنقاذ الأرواح من خلال وقف إطلاق النار وإنهاء المجاعة، وضمان عدم وجود ضم أو احتلال أو تهجير قسري. وأعرب عن أمله في أن تشكل هذه الخطة خطوة أولى نحو ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
الضم مقابل السلام: خيار إسرائيلي مدمر
أكد منصور أن اتفاق وقف إطلاق النار لم ينه معاناة الشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل لا تريد وقف إطلاق النار، وأن أهدافها ما زالت الاحتلال والضم والتهجير القسري في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وأشار إلى أن إسرائيل اختارت بين الضم والسلام، فاختارت الضم، متسائلاً: “كيف سنوقف إسرائيل؟”. وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية تتحرك بسرعة وتأمل إنجاز الأمر قبل تشكل رد دولي حازم، وقد تقدم تنازلات تكتيكية لكنها تواصل استراتيجياً الاستيلاء على الأرض.
مستقبل الشعب الفلسطيني: بين الصمود والتهديد
أكد منصور أن الفلسطينيين حشروا في مساحات أصغر فأصغر، لكنهم لم يختفوا، بل إن أعدادهم في ازدياد. وأشار إلى أن إسرائيل تتحدث الآن عن السيطرة من النهر إلى البحر، وهي مساحة يعيش فيها 7.5 مليون فلسطيني، متسائلاً عما إذا كانت ستمنحهم حقوقاً متساوية أم ستجعل حياتهم مستحيلة عبر الموت والدمار والتهجير. وحذر من أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى إشعال انفجار في الضفة الغربية عبر اجتياحات عسكرية والسماح بعنف المستوطنين وتهجير المجتمعات قسراً وتدمير مخيمات اللاجئين، ومهاجمة السلطة الفلسطينية التي تلتزم بالسلام وحل الدولتين.
وفي الختام، شدد الوزير رياض منصور على أن الرد الوحيد يتمثل في التأكيد قولاً وفعلاً أن قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، يشكلان الوحدة الإقليمية لدولة فلسطين، وأن وحدتهما السياسية والجغرافية يجب ألا تتأخر أكثر. وحذر من أن حل الدولتين يجب ألا يتحول إلى “وهم الدولتين”، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل حازم لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وضمان حقوق الشعب الفلسطيني. إن مستقبل المنطقة يعتمد على تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.



