فنزويلا على مفترق طرق: اعتقال مادورو، صفقات النفط، ومستقبل غامض

بعد أشهر من التوتر المتصاعد والتحركات العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي، شهدت فنزويلا تطورات دراماتيكية في مطلع العام الجاري. اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثار تساؤلات حول مستقبل البلاد، خاصةً مع استمرار نظام الحكم السابق في السلطة، وتقديم ما يبدو كضمانات للإدارة الأمريكية. وفي الوقت ذاته، تحاول زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، استعادة دورها في المشهد السياسي. فإلى أين تتجه فنزويلا؟

عملية الاعتقال وتداعياتها الفورية

في الثالث من يناير، نفذت الولايات المتحدة عملية واسعة النطاق أسفرت عن اعتقال الرئيس مادورو. فوراً، أدت نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، اليمين الدستورية لتولي الرئاسة مؤقتاً. لكن رد الفعل الأمريكي لم يتوقف عند هذا الحد، إذ هدد ترامب رودريغيز بشن المزيد من الهجمات العسكرية. وبدا أن الهدف يتجاوز مجرد الإطاحة بمادورو، ليشمل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية.

النتيجة المباشرة كانت سلسلة من الصفقات النفطية مع الولايات المتحدة، والإفراج عن سجناء سياسيين، واستئناف عمليات ترحيل المهاجرين الفنزويليين. هذه الإجراءات تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق الاستقرار، ولو بشكل مؤقت، مع ضمان وصول إمدادات النفط الفنزويلية إلى السوق.

تشكيل تحالفات جديدة داخل النظام

منذ اعتقال مادورو، تحاول الحركة التشافيزية، التي تأسست على إرث هوغو تشافيز، إظهار جبهة موحدة. ديلسي رودريغيز، وشقيقها خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية، بالإضافة إلى وزير الداخلية النافذ، ديوسدادو كابيّو، الذي يمثل الجناح الأكثر راديكالية في الحركة، يحرصون على الظهور معاً في المناسبات الرسمية.

هذا التحالف، الذي وصفه أحد الدبلوماسيين في فنزويلا بأنه “ثلاثي”، يهدف إلى منع أي انقسامات داخل النظام قد تستغلها الولايات المتحدة أو المعارضة. الأستاذ بينينيو ألاركون من جامعة “أندريس بيلو” الكاثوليكية يرى أن بقاء هؤلاء الثلاثة في السلطة معاً أمر ضروري لتجنب هجوم أمريكي آخر، مؤكداً أن الانقسام سيكون القرار الأكثر تكلفة.

دور اللاعبين الرئيسيين في السلطة

تحليل دقيق يظهر أن ديناميكيات السلطة داخل النظام أصبحت أكثر تعقيداً. إلياس فيرير، مدير مركز أبحاث “أورينوكو”، يشدد على أهمية أخذ ديوسدادو كابيّو في الحسبان، نظراً لنفوذه الكبير. ومع ذلك، يرى أن ديلسي وخورخي رودريغيز هما من يحددان مسار الأمور حالياً، بدعم من وزير الدفاع والقطاع العسكري الذي لا يتبع كابيّو بشكل مباشر.

وتشير المعلومات إلى أن عملية الاعتقال تمت بفضل تعاون من داخل فنزويلا، خاصة من عناصر عسكرية. لكن أندريس إزارا، وزير الاتصالات السابق في عهد تشافيز، يقلل من أهمية هذا “الثلاثي الحاكم”، واصفاً إياه بأنه “وهم”. ويؤكد أن كابيّو، على الرغم من تلقيه ضربة، لا يزال يمثل قوة مؤثرة.

صفقة النفط ومصالح ترامب

يرى إزارا أن ديلسي وخورخي رودريغيز لم يكونا مواليين لمادورو أو للثورة، بل كانا يسعيان لتحقيق مصالح شخصية. ويصفهما بأنهما “فوشيه” في هذه القصة، في إشارة إلى الوزير الفرنسي الانتهازي جوزيف فوشيه. ويضيف أن المحور الحقيقي هو العلاقة بين واشنطن وديلسي رودريغيز.

ويوضح إزارا أن ترامب لا يسعى إلى الديمقراطية في فنزويلا، بل يركز على تأمين إمدادات النفط وتحقيق الاستقرار بتكلفة منخفضة. ويشير إلى أن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يتطلب انتخابات حرة ونزيهة، وهو ما لا يملك ترامب الوقت الكافي لتحقيقه قبل نهاية ولايته في عام 2028.

ديلسي رودريغيز، وفقاً لهذا التحليل، تقدم لترامب بالضبط ما يحتاجه: شخصاً على دراية بالنظام، قادراً على ضمان تدفق النفط، يفتقر إلى الشرعية الشعبية، وبالتالي يعتمد كلياً على واشنطن للبقاء في السلطة. “قيمتها في ضعفها”، كما يقول إزارا.

تجنب “أخطاء العراق” والسيناريوهات المحتملة

يبدو أن ترامب حريص على تجنب تكرار سيناريو العراق، حيث أدت الإطاحة بأنصار صدام حسين إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. الأستاذ ألاركون يرى أن أنصار تشافيز سيظلون موجودين، وإن كانوا أقلية، وأن المشكلة تكمن في وجود مؤسسات تخضع لسلطة الدولة، وليس لفصيل معين.

مدير مركز أبحاث “أورينوكو” يدعم هذا التحليل، معتقداً أن الإطاحة بالحركة التشافيزية قد تؤدي إلى مواجهة مع قوات الأمن، وربما إلى نشوب صراع مسلح طويل الأمد. هذا السيناريو يثير مخاوف بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي.

دور ماريا كورينا ماتشادو والشرعية المفقودة

في خضم هذه التطورات، تحاول ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، استعادة دورها في المشهد السياسي. يعتقد مراقبون أن المعارضة فازت بالانتخابات الرئاسية عام 2024، التي أُعلن فيها فوز مادورو وسط اتهامات بالتزوير. ماتشادو دافعت عن هذا الادعاء، وقدمت ميدالية جائزة نوبل للسلام لترامب في محاولة لاستمالته.

لكن ترامب، على ما يبدو، لم يقتنع تماماً. على الرغم من استقباله لماتشادو في البيت الأبيض، إلا أنه صرح بأنها “غير مؤهلة” لقيادة البلاد. هذا التصريح، بالإضافة إلى الاجتماع المطول الذي عقدته مع مسؤولين أمريكيين كبار، يثير تساؤلات حول الدور الذي تلعبه ماتشادو في هذه اللعبة السياسية المعقدة.

مستقبل العقوبات والفرص الاستثمارية

رسمياً، لا تزال العقوبات الأمريكية التي فرضها ترامب عام 2019 سارية المفعول. فيرير يشدد على أهمية معرفة مصير هذه العقوبات، وهل سيسمح ترامب للجميع بالاستثمار في فنزويلا، أم للشركات الأمريكية فقط؟ هذا القرار سيكون له تأثير كبير على مستقبل الاقتصاد الفنزويلي.

وفي الختام، يبدو مستقبل فنزويلا معلقاً بين عدة سيناريوهات. اعتقال مادورو فتح الباب أمام تغييرات كبيرة، لكن استمرار نظام الحكم السابق في السلطة، وتقديم الضمانات للإدارة الأمريكية، يشير إلى أن هذه التغييرات قد تكون محدودة. دور ماريا كورينا ماتشادو، ومستقبل العقوبات الأمريكية، وتشكيل التحالفات داخل النظام، كلها عوامل ستحدد مسار البلاد في الأشهر والسنوات القادمة. من الواضح أن فنزويلا تقف على مفترق طرق، وأن مستقبلها يعتمد على قرارات اللاعبين الرئيسيين في الداخل والخارج.

شاركها.
Exit mobile version