في خضم الأحداث العالمية المثيرة، مثل تلك المتعلقة بالرئيس الفنزويلي، تتكشف قصة أخرى، ربما أكثر تهديدًا على المدى الطويل، في أعماق بحر البلطيق وخليج فنلندا. ففي غضون أسابيع قليلة، تعرضت ستة كابلات بحرية حيوية لأضرار بالغة، مما يثير مخاوف جدية حول الأمن القومي والاقتصادي للدول المعنية. هذا التخريب المتزايد للكابلات البحرية، والذي توقف لمدة عام، يعيد إلى الأذهان شبح الهجمات على البنية التحتية الحيوية، ويطرح تساؤلات حول قدرة الدول الغربية على الاستجابة الفعالة في ظل انشغالها بأزمات أخرى، مثل تلك التي تشهدها غرينلاند.
## تزايد التخريب على الكابلات البحرية: نمط مقلق
بدأت الأحداث الأخيرة في 31 ديسمبر، عندما تعطل كابل بيانات يربط بين فنلندا وإستونيا. التحقيقات الأولية كشفت عن تعرض الكابل لضربة من جسم خارجي، مما أثار الشكوك حول طبيعة هذا الاعتداء. سرعان ما بدأت السلطات الفنلندية والإستونية في تتبع السفن التي كانت تبحر في خليج فنلندا في ذلك الوقت، ووقع الاشتباه على سفينة الشحن “فيتبورغ” التي ترفع علم “سانت فنسنت وجزر غرينادين”.
كانت “فيتبورغ” في طريقها من سانت بطرسبرغ الروسية إلى حيفا الإسرائيلية، والأهم من ذلك، لاحظت السلطات أنها كانت تسحب مرساها. سحب المرساة يشكل خطرًا كبيرًا على الكابلات البحرية، حيث يمكن أن يؤدي الاحتكاك أو الشد إلى تآكلها وتلفها، خاصة في ظل الظروف الجوية القاسية.
### الاستجابة الفنلندية السريعة
بسرعة وحزم، تحرك حرس الحدود الفنلندي لاعتراض السفينة المشتبه بها. بعد عبورها من المياه الإستونية إلى المنطقة الاقتصادية الفنلندية، تم توجيهها للدخول إلى المياه الإقليمية الفنلندية، امتثالاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. بمجرد دخول السفينة إلى المياه الفنلندية، قامت مروحية فنلندية بإنزال ضباط الشرطة الذين سيطروا على السفينة، التي كانت بالفعل تسحب مرساها.
تم احتجاز السفينة وطاقمها، الذي يضم بحارة من روسيا وجورجيا وكازاخستان وأذربيجان، للتحقيق في ملابسات الحادث. وقد عقدت السلطات الفنلندية، بما في ذلك الشرطة والجمارك وحرس الحدود، مؤتمرًا صحفيًا للإعلان عن تفاصيل عملية الاعتقال.
## تكرار الحوادث وتصاعد المخاوف بشأن أمن الكابلات البحرية
لم يكن الضرر الذي لحق بالكابل الفنلندي الإستوني هو الحادث الوحيد. ففي أكتوبر 2023، تسببت سفينة الحاويات الصينية “نيو بولار بير” في أضرار بالغة لكابل بحري وخط أنابيب في خليج فنلندا. هذا الحادث، بالإضافة إلى غيره، دفع دول بحر البلطيق إلى تطوير آليات تنسيق واستجابة أسرع.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن سفينة “فيتبورغ” تسببت أيضًا في تلف كابل ثانٍ، مملوك لشركة “أريليون” السويدية، وهي نفس الشركة التي تضررت أحد كابلاتها في حادثة “نيو بولار بير”. استمرار سحب المرساة لعدة ساعات قبل الاعتقال، لم يبدُ عارضًا، خاصةً مع تزايد الشكوك حول سلسلة الأضرار التي لحقت بالكابلات.
### “حارس البلطيق” و “مراقب البلطيق”: جهود مشتركة لحماية البنية التحتية
بعد حادثة ناقلة النفط “إيغل إس” في يوم عيد الميلاد عام 2024، والتي تسببت في قطع خمسة كابلات، سارعت دول بحر البلطيق وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى اتخاذ إجراءات جديدة. تم إنشاء “حارس البلطيق”، وهو نظام دورية وإنذار يهدف إلى مراقبة حركة السفن في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تم تطوير “مراقب البلطيق”، وهو نظام مراقبة يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وتحديد الأنشطة المشبوهة.
وقد أثمرت هذه الجهود في البداية، حيث لم يتم رصد أي عمليات سحب للمراسي بشكل غير مبرر لعدة أشهر بعد حادثة “إيغل إس”. الأدميرال جوزيبي كافو دراجون، أعلى ضابط عسكري في حلف الناتو، صرح في نوفمبر 2025 بأن نظام “حارس البلطيق” يعمل كرادع فعال، حيث “لم يحدث أي شيء” منذ بدء تشغيله.
## عودة التخريب: هل الردع يفقد فعاليته؟
ومع ذلك، بحلول عام 2026، بدأت المخاوف في العودة مع تضرر ثلاثة كابلات إضافية في الأيام التي سبقت رأس السنة، بالإضافة إلى الكابلين اللذين تعرضا للتلف في ليلة رأس السنة نفسها. على الرغم من أن السلطات لم تستبعد احتمال وجود علاقة بالطقس، إلا أن الظروف الجوية لم تكن قاسية بشكل خاص في تلك الأيام، مما زاد من الشكوك حول وجود تدخل متعمد.
هذه الأحداث المتكررة تثير تساؤلات حول فعالية الإجراءات المتخذة لحماية الكابلات البحرية، وتؤكد على الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات، بالإضافة إلى تطوير تقنيات مراقبة أكثر تطوراً. إن أمن الكابلات البحرية ليس مجرد قضية تقنية، بل هو قضية أمن قومي واقتصادي تتطلب اهتمامًا عاجلاً واستجابة حاسمة. ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على الاتصالات الرقمية، يمكن أن يكون لقطع هذه الكابلات تأثير مدمر على مختلف القطاعات، بدءًا من الخدمات المالية وصولًا إلى الأمن القومي. لذلك، يجب على الدول الغربية أن تولي هذا التهديد الأهمية التي يستحقها، وأن تعمل بشكل استباقي لمنع المزيد من التخريب.


