تتزايد الانتقادات الموجهة لأساليب عمل شرطة الهجرة في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، حتى بين مؤيدي الرئيس السابق دونالد ترامب. هذا التصعيد في الانتقادات يعكس قلقاً متزايداً بشأن التجاوزات المحتملة وانتهاكات الحقوق المدنية المرتبطة بتطبيق قوانين الهجرة. وصل الأمر إلى حد تشبيه مقدم البودكاست الشهير جو روغان عمليات جهاز الأمن الفيدرالي بـ”الغستابو”، الشرطة السرية في ألمانيا النازية، مما أثار جدلاً واسعاً وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول ممارسات إدارة الهجرة والجمارك (آيس).
تصاعد الانتقادات لـ “آيس” وتأثيرها على الرأي العام
أثارت عمليات الترحيل القسري التي تنفذها إدارة الهجرة والجمارك (آيس) بتكليف من إدارة ترامب، انتقادات واسعة النطاق. لم تقتصر هذه الانتقادات على المعارضة السياسية، بل امتدت لتشمل شخصيات محافظة بارزة مثل جو روغان، الذي يعتبر من أبرز داعمي ترامب. وقد أدت حادثة إطلاق النار التي أودت بحياة رينيه غود، البالغة من العمر 37 عاماً، في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، إلى تفاقم الغضب العام وتوجيه المزيد من الأضواء على سلوك عناصر الجهاز.
استطلاعات الرأي تكشف عن تراجع الثقة بـ شرطة الهجرة
تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة رفضاً متزايداً من قبل غالبية الأمريكيين لأساليب عمل إدارة الهجرة والجمارك. ففي استطلاع أجراه معهد “كوينيبياك”، أعرب 57% من الناخبين عن إدانتهم لعمليات الجهاز، مع تسجيل نسب أعلى بكثير بين الديمقراطيين (94%) والمستقلين (64%)، بينما أيدها 84% من الجمهوريين.
إضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع آخر أجرته مجلة “ذي إيكونوميست” ومعهد “يوغوف” أن نسبة المؤيدين لإلغاء إدارة الهجرة والجمارك (46%) تجاوزت لأول مرة نسبة المعارضين لحلها (43%). هذا التحول في الرأي العام يشير إلى أن المخاوف بشأن ممارسات الجهاز بدأت تتغلغل في أوسع شرائح المجتمع الأمريكي.
تصريحات جو روغان والصدى السياسي
تصريحات جو روغان، الذي يحظى بمتابعة واسعة، أثارت ضجة كبيرة. قال روغان: “لا نريد رجالاً مُجهزين كالجنود يجوبون الشوارع ويقبضون على الناس، وكثيرون منهم يتبين أنهم مواطنون أميركيون لا يحملون فقط أوراقهم الثبوتية. هل سيصبحون مثل (الغستابو)، أين أوراقك الثبوتية؟ هل هذا ما وصلنا إليه؟”. هذا التشبيه القوي، القادم من شخصية محافظة، سلط الضوء على المخاوف بشأن التجاوزات المحتملة في عمليات التحقق من الهوية.
وعلى الرغم من أن هذه التحفظات جاءت على لسان شخصية محافظة، إلا أن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، كررت موقف الإدارة المتشدد تجاه الهجرة غير النظامية، معتبرة أن انتقادات الديمقراطيين لعناصر “آيس” هي التي أدت إلى العنف.
الجدل القانوني حول صلاحيات شرطة الهجرة
يرى خبراء القانون أن أساليب بعض عناصر إدارة الهجرة والجمارك تتعارض مع المبادئ القانونية الراسخة في الولايات المتحدة. ويشير ستيفن شوين، أستاذ القانون في جامعة “إلينوي” في شيكاغو، إلى أن عمليات التحقق من الهوية التي يجريها عناصر “آيس” يجب أن تكون مبنية على “اشتباه معقول” في نشاط غير قانوني، وهو ما لا يبدو أنه متبع في كثير من الأحيان.
ويضيف شوين أن مطالبة عناصر “آيس” للمتظاهرين السلميين بإبراز أوراقهم الثبوتية تثير تساؤلات حول مدى احترامهم للحريات المدنية، حيث يربط الكثيرون هذه الممارسات بالأنظمة الديكتاتورية.
توسع صلاحيات “آيس” وحصانة العناصر
يشير تقرير إلى أن عدد عناصر شرطة الهجرة قد تضاعف تقريباً في عام واحد، ليصل إلى 22 ألفاً مقارنة بـ10 آلاف في العام السابق، مما يعكس التوسع الكبير في صلاحيات الجهاز. ويثير هذا التوسع مخاوف بشأن الرقابة والمساءلة، خاصة مع الحماية التي يحظون بها من الإدارة.
وقد أكد مستشار البيت الأبيض السابق، ستيفن ميلر، أن عناصر “آيس” يتمتعون بـ”حصانة لتنفيذ مهمتهم”، وهو ما أكده أيضاً نائب الرئيس، جاي دي فانس، في إشارة إلى عنصر الهجرة الذي أطلق النار على رينيه غود.
تراجع الدعم الداخلي لسياسات الهجرة
على الرغم من الدعم العلني للإدارة لسياسات الهجرة المتشددة، تشير استطلاعات الرأي الخاصة التي أجرتها الإدارة الأمريكية إلى تراجع في الدعم لإنفاذ قوانين الهجرة، حتى بين الناخبين اليمينيين.
وكشف مستشار رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الرئيس الأمريكي “يريد عمليات ترحيل جماعية، لكنه لا يريد الطريقة التي تبدو عليها الأمور. (أساليب شرطة الهجرة) لا تعطي صورة جيدة، وقد أعرب عن بعض الاستياء حيالها”. هذا التصريح يكشف عن وجود خلافات داخل الإدارة حول أفضل طريقة لتطبيق قوانين الهجرة، ويشير إلى أن هناك قلقاً بشأن التأثير السلبي لأساليب “آيس” على صورة البلاد.
في الختام، يواجه جهاز شرطة الهجرة في الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة بسبب أساليبه المثيرة للجدل. تتطلب هذه الأزمة إجراء مراجعة شاملة لسياسات الجهاز وتدريب عناصره على احترام الحقوق المدنية، بالإضافة إلى تعزيز الرقابة والمساءلة لضمان عدم تكرار التجاوزات. هل ستستجيب الإدارة لهذه المطالبات، أم ستستمر في اتباع نهجها المتشدد؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

